اعمدة

الدكتور رائد ناجي‎ .. يكتب .. فلسطين : حين تتحول الهمجية إلى سياسة… ويتحوّل التحايل إلى بنية

ليست القضية في فلسطين مجرد صراعٍ على حدودٍ أو نزاعٍ على أرضٍ قابلةٍ للتقسيم أو التسوية، بل هي – في جوهرها العميق – صراعٌ على المعنى قبل أن تكون صراعًا على المكان، وعلى الوعي قبل أن تكون

 

 

ليست القضية في فلسطين مجرد صراعٍ على حدودٍ أو نزاعٍ على أرضٍ قابلةٍ للتقسيم أو التسوية، بل هي – في جوهرها العميق – صراعٌ على المعنى قبل أن تكون صراعًا على المكان، وعلى الوعي قبل أن تكون على الواقع. وما يبدو في الظاهر “همجيةً صهيونيةً متواصلةً” لا يمكن قراءته بوصفه انفلاتًا عابرًا للعنف، بل باعتباره نمطًا مؤسسيًا مُحكمًا، يُدار بمنطقٍ مركّبٍ يجمع بين القوة الصلبة والتحايل الناعم، بين القهر المباشر وإعادة تشكيل الإدراك.
فالهمجية هنا لا تُختزل في مشاهد القصف أو صور الركام، على فداحتها، بل تتجلى في استهدافٍ متعدد الطبقات لمقومات الهوية الفلسطينية: الإنسان، والذاكرة، واللغة، والرمز. حين تُدمّر البيوت، لا يُقصد فقط إزاحة الحجر، بل تفكيك المعنى الذي يسكنه؛ وحين تُقتلع الأشجار، لا يُراد فقط تجريف الأرض، بل اقتلاع الامتداد التاريخي الذي يُرسّخ الانتماء. إنها عملية نزعٍ للهوية بقدر ما هي عملية احتلالٍ للمكان.
غير أن الأخطر من ذلك، هو ذلك الوجه الآخر للعنف: “التحايل”. فالمنظومة التي تُنتج هذا الواقع لا تعتمد فقط على فائض القوة، بل تُحسن توظيف فائض السرد. وهنا يتبدّى التحايل بوصفه استراتيجيةً لا تقل خطورةً عن السلاح؛ إذ يُعاد توصيف الوقائع، وتُعاد صياغة اللغة، بحيث يصبح القامعُ مدافعًا، والضحيةُ معتديًا، والحقُّ روايةً قابلةً للتأويل.
سياسيًا، يتجلى هذا التحايل في خطابٍ دوليٍّ مزدوج المعايير، يُدين العنف من حيث المبدأ، لكنه يتسامح معه حين يُمارَس ضمن سياقٍ معين. وقانونيًا، يتجسد في استخدام أدواتٍ تبدو مشروعةً – من قراراتٍ وإجراءاتٍ – لكنها تُفرغ العدالة من مضمونها، وتحوّل القانون إلى أداة إدارةٍ للأزمة بدل أن يكون وسيلةً لحلّها. أما إعلاميًا، فالمعركة على أشدها: صورٌ تُنتقى، وسردياتٌ تُبنى، ومفرداتٌ تُختار بعنايةٍ لتوجيه الإدراك العالمي نحو قراءةٍ منحازةٍ للواقع.
وفي قلب هذا كله، تتعرض الهوية الفلسطينية لمحاولة تفكيكٍ ممنهجة. فالهوية هنا ليست مجرد انتماءٍ جغرافي، بل هي بنيةٌ رمزيةٌ متكاملة، تتغذى من التاريخ، وتُعاد إنتاجها عبر الثقافة، وتحيا في التفاصيل اليومية. ولذلك، فإن استهدافها لا يتم فقط عبر القوة، بل عبر إعادة تشكيل الفضاء الذي تتحرك فيه: تغيير الأسماء، طمس المعالم، إعادة كتابة الرواية.
لكن، وعلى الرغم من هذا الثقل المركّب للعنف والتحايل، فإن التجربة الفلسطينية تُقدّم نموذجًا فريدًا في مقاومة المحو. فالشعب الذي يُحاصر في جغرافيته، يُوسّع حضوره في رمزيته؛ والذي يُضيَّق عليه في واقعه، يُضاعف حضوره في ذاكرته. تتحول الأغنية إلى أرشيف، والقصيدة إلى وثيقة، والحكاية إلى خريطةٍ بديلةٍ تحفظ ما يُراد له أن يُمحى.
إن الصمود هنا لا يعني فقط البقاء، بل يعني القدرة على إعادة تعريف الذات في مواجهة محاولات إعادة تعريفها قسرًا. هو فعلٌ معرفي بقدر ما هو فعلٌ وجودي؛ إذ يُعاد إنتاج المعنى في كل مرةٍ يُراد فيها مصادرته. ولذلك، فإن المعركة في فلسطين ليست فقط معركة تحرير أرض، بل معركة تحرير سردية.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: من يملك الحق في تعريف الواقع؟ من يكتب الرواية التي ستبقى؟ فالتاريخ لا يُكتب فقط بما حدث، بل بكيفية روايته. وإذا كان التحايل يسعى إلى احتكار هذه الرواية، فإن المقاومة – بكل أشكالها – تسعى إلى كسر هذا الاحتكار، وإعادة التوازن إلى المعنى.
إن فلسطين، في هذا المعنى، ليست فقط جغرافيا تُنتهك، بل فكرة تُقاوم. فكرةٌ تُصرّ على أن الحق، وإن حوصِر، لا يُمحى؛ وأن الهوية، وإن استُهدِفت، لا تُستأصل؛ وأن الوعي، وإن تعرّض للتشويه، قادرٌ على إعادة بناء نفسه.
وهكذا، بين همجيةٍ تتحول إلى سياسة، وتحايلٍ يتحول إلى بنية، تستمر فلسطين في إنتاج درسها الأعمق: أن المعركة على الإنسان لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالقدرة على حماية المعنى من الانهيار، وعلى إبقاء الحقيقة حيّةً في وجه كل محاولات الطمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى