الدكتور . رائد ناجي .. يكتب .. حين ينكفئ النص عن المعنى: في انهزامية خطاب التيار السلفي المدخلي تجاه فلسطين !
ليس كل صمت حيادا، ولا كل تحفّظ حكمة. ففي بعض المداخلات التي تصدر عن التيار السلفي المدخلي تجاه فلسطين، لا نكون امام قراءة

:
ليس كل صمت حيادا، ولا كل تحفّظ حكمة. ففي بعض المداخلات التي تصدر عن التيار السلفي المدخلي تجاه فلسطين، لا نكون امام قراءة فقهية متأنية بقدر ما نكون امام بنية خطابية تميل الى الانكفاء، وتعيد تعريف الواجب الديني ضمن حدود ضيقة تجعل من القضية الكبرى شأنا هامشيا. هنا، لا يتجلى الانحياز في ما يقال فقط، بل ايضا في ما يتم اسقاطه عمدا من سياق القول.
اولا، يرتكز هذا الخطاب على تقديم مفهوم “السمع والطاعة” بوصفه اصلا حاكما يعلو على سائر الاعتبارات. وبهذا، يتم تأطير الموقف من فلسطين ضمن زاوية العلاقة بالسلطة السياسية، لا ضمن زاوية العدل ورفع الظلم. حين تتحول الطاعة الى عدسة وحيدة للرؤية، يغدو كل فعل خارج هذا الاطار مشبوها، حتى لو تعلق بنصرة مظلوم. وهكذا، يتم اختزال الدين في بعده التنظيمي، وتغييب بعده القيمي.
ثانيا، يشتغل هذا الخطاب على نزع الشرعية عن كل اشكال المقاومة عبر ربطها بمفاهيم “الفتنة” و”الخروج” و”التحزب”. هذا الربط ليس بريئا، اذ ينقل الفعل المقاوم من كونه ردا على احتلال الى كونه خرقا للنظام. النتيجة هي قلب للمفاهيم: يصبح الدفاع عن الارض مثار شبهة، بينما يتحول الصمت الى فضيلة. هنا، لا يكتفي الخطاب بوصف الواقع، بل يعيد تشكيله لغويا بما يخدم منطق الانكفاء.
ثالثا، ثمة نزوع واضح الى تجريد القضية الفلسطينية من بعدها العقدي والاخلاقي، وحصرها في اعتبارات سياسية معقدة يقال انها “ليست من شأن العامة”. هذا الفصل بين الديني والسياسي يؤدي عمليا الى تعطيل الحس الاخلاقي، اذ يتم دفع الافراد الى الانسحاب من الموقف بحجة عدم الاختصاص. لكن المفارقة ان هذا الخطاب نفسه لا يتردد في التدخل في قضايا اخرى اقل تعقيدا، مما يكشف انتقائية في تفعيل هذا المبدأ.
رابعا، يعتمد الخطاب المدخلي على تكثيف التحذير من “الاستثارة العاطفية”، في مقابل الدعوة الى “العلم” و”التأصيل”. غير ان هذا التمييز يتحول في كثير من الاحيان الى اداة لتبريد الموقف، لا لتصحيحه. فالعاطفة هنا لا تُنتقد بوصفها اندفاعا غير محسوب، بل بوصفها دافعا نحو الفعل. وبذلك، يتم افراغ التعاطف من قدرته التحريكية، وتحويله الى شعور خاص لا اثر له في المجال العام.
خامسا، يتجلى البعد الانهزامي ايضا في استدعاء خطاب العجز الكلي: “لا قدرة لنا”، “الامر اكبر منا”، “هذه قضايا دول”. هذا التوصيف، رغم واقعيته الجزئية، يتحول الى حكم نهائي يلغي اي مساحة للفعل الممكن، حتى في حدوده الدنيا. ان تحويل العجز الى قدر ثابت يرسخ ثقافة الانسحاب، ويجعل من الامتناع موقفا مبررا دينيا.
سادسا، لا يمكن اغفال البعد اللغوي في هذا الخطاب، حيث يتم استخدام مفردات توحي بالاحتراز والتخويف اكثر مما توحي بالمسؤولية. كلمات مثل “الفتنة” و”الشر” و”البلبلة” تتكرر بكثافة، لكنها توجه اساسا نحو الداخل، اي نحو كل من يفكر في الفعل او حتى في التعبير العلني. وهكذا، يتحول الخطر من الاحتلال الى امكانية رد الفعل عليه، في مفارقة تكشف اختلال ترتيب الاولويات.
سابعا، ان نقد هذا الخطاب لا يعني الدعوة الى الفوضى او تجاهل التعقيدات السياسية، بل يعني استعادة التوازن بين النص وروحه. فالنصوص التي تتحدث عن الطاعة لا يمكن فصلها عن النصوص التي تؤكد على العدل ونصرة المظلوم. والفقه الذي يبالغ في سد الذرائع حتى يعطل المقاصد، يتحول من اداة حفظ الى اداة تعطيل.
في الختام، تبدو انهزامية الخطاب السلفي المدخلي تجاه فلسطين نتاجا لتغليب منطق الحذر على منطق المسؤولية، ومنطق النظام على منطق القيم. انها هزيمة لا تعلن نفسها صراحة، لكنها تتسلل عبر اللغة، وتعيد تشكيل الوعي بما يجعل الصمت خيارا معقولا، بل مستحسنا. غير ان القضايا الكبرى لا تحتمل هذا القدر من الانكفاء، ولا يمكن للخطاب الديني ان يظل محايدا امام ظلم بيّن دون ان يفقد جزءا من روحه. هنا، يصبح تجديد الخطاب ضرورة، لا من اجل السياسة، بل من اجل استعادة المعنى الاخلاقي الذي يمنح النص حياته وقدرته على الارشاد.





