الدكتور . رائد ناجي .. يكتب .. حين تتحول الزكاة إلى غطاء للهوان: الرد على تبرير أحمد بن عمارة للخيانة !
في زمن تكثر فيه الأصوات المضللة وتتفشى التبريرات المشوهة للدين، يظهر لنا نموذج صارخ من الانحراف الفكري والأخلاقي في شخص أحمد بن عمارة، الذي لم يجد حرجاً في قلب النصوص الدينية على

في زمن تكثر فيه الأصوات المضللة وتتفشى التبريرات المشوهة للدين، يظهر لنا نموذج صارخ من الانحراف الفكري والأخلاقي في شخص أحمد بن عمارة، الذي لم يجد حرجاً في قلب النصوص الدينية على أعقابها، وتحويلها إلى وسيلة لتبرير الهوان والخضوع أمام أعداء الأمة. وما جاء به من زعم أن الأموال المدفوعة لشخص مثل ترامب لكف شره عن المسلمين تعتبر من مصارف الزكاة، ليس مجرد انحراف فقهي، بل هو تجسيد لمفهوم الخيانة المموه بالدين.
الزكاة، كما يعلم كل باحث وواعٍ، ليست مجرد عملية مالية، ولا مجرد معاملة اقتصادية، بل هي ركيزة أخلاقية وروحية تهدف إلى تطهير النفس، وبناء المجتمعات، وإرساء العدالة، وتعميق قيم التضامن الاجتماعي، لا لتبرير الخضوع أو تلميع الاستسلام أمام القوى الظالمة. حين يحرف شخص مثل بن عمارة هذا المفهوم، ويزعم أن الزكاة يمكن أن تتحول إلى أداة لتجميل الخيانة، فإنه في الواقع يسيء إلى الدين، ويخون روح الأمة، ويهين كل قيم الكرامة والشجاعة التي نص عليها التاريخ والفكر الإسلامي.
إن الديانة الحقيقية لا تحتاج إلى مثل هذه التبريرات البائسة، فهي قائمة على الإيمان بالعدل، ومقاومة الظلم، والدفاع عن المستضعفين، وليس على دفع الأموال للمتسلطين أو للأعداء باسم الدين. هذا التحريف ليس مجرد خطأ فقهي، بل هو جريمة أخلاقية وفكرية، لأنه يخلط بين الغاية والوسيلة، بين المقدس والسياسي، بين ما أمر الله به وما يمكن أن يتحول إلى أداة لتبييض الهوان.
الأدهى أن هذه الدعوى تحاول أن تصنع نوعاً من الغطاء الشرعي للخضوع أمام القوة، وكأن الدين يجيز للضعف أن يتحول إلى استسلام، وللخيانة أن تتخذ هيئة عبادة. هذا الفهم المشوه للنصوص الدينية يضع الأمة في موقف أخلاقي كارثي، حيث تتفكك القيم، وتنتكس المبادئ، وتصبح الهوية الإسلامية عرضة للتشويه والاستغلال السياسي.
ويجب هنا التأكيد أن النصوص الدينية، مهما عظمت قدسيتها، لا يمكن أن تُستغل كأداة لإلغاء مسؤولية الإنسان عن قراراته الأخلاقية والسياسية. الزكاة ليست وسيلة لتجميل الخضوع أمام الظالم، ولا أداة لتبييض الهزيمة أمام المعتدي. كل محاولة من هذا النوع هي إساءة للنصوص، وانتهاك للروح الحقيقية للدين، وتشويه لمعنى الإيمان والأخلاق.
في الواقع، ما فعله أحمد بن عمارة يعكس أزمة أعمق في الوعي الديني والفكري؛ أزمة تجعل الفرد يخلط بين الطاعة لله وبين الطاعة للظالم، بين الالتزام بالقيم وبين الالتزام بالمصلحة الشخصية أو السياسية. هذه الأزمة ليست مجرد انحراف فكري، بل هي علامة على هشاشة الشخصية الجماعية، وعلى ضعف القدرة على التمييز بين الحق والخطأ، بين المقاومة والانكسار، بين الشجاعة والذل.
إن الرد على مثل هذا التبرير يجب أن يكون شاملاً وعميقاً: لا يكفي القول إن الزكاة لا يمكن أن تُستخدم لدعم الظالم، بل يجب تحليل هذا الانحراف من كل زاوية، فكرياً وأخلاقياً وتاريخياً. يجب أن يوضح العقل النقدي أن الدين لا يمكن أن يصبح أداة للهوان، ولا يمكن أن تتحول النصوص المقدسة إلى غطاء للخيانة. كل محاولة لتحويل الزكاة أو أي من العبادات إلى أداة لتبرير الخضوع هي خيانة مزدوجة للنص وللأمة.
كما أن الخطورة تكمن في أن هذا التحريف يقدم نموذجاً يُحتذى به، ويغذي الانكسار الجماعي، ويبرر التسليم أمام القوى المستبدة. فإذا كان أحدهم يجد في النصوص ما يبيح له دفع الأموال للظالم باسم الزكاة، فكم من آخر سيجد في ذلك مبرراً لتسليم الأرض أو الهزيمة الأخلاقية؟ هنا، يصبح الانحراف الفردي تهديداً جماعياً، ويصبح الفهم المغلوط للدين أداة لتدمير الإرادة الجمعية.
إن الزكاة، في جوهرها، رسالة أخلاقية، ودعوة للكرامة، وتعزيز للقيم الإنسانية، وليس وسيلة لتزييف الحقائق أو لتبرير الخضوع. وكل من يسعى لتوظيفها في العكس، يجب أن يجد أمامه موقفاً حازماً من المفكرين والأخلاقيين والقادة، موقفاً يوضح أن الدين الحقيقي لا يجيز الانكسار، ولا يبارك الخضوع، ولا يغطي الخيانة.
وفي نهاية المطاف، ما يقدمه أحمد بن عمارة ليس مجرد رأي فقهي، بل هو محاولة لتبييض الهزيمة باسم الدين، ولتبرير الخضوع باسم الزكاة، ولطمس حدود الأخلاق باسم النصوص. الرد على ذلك يجب أن يكون فكرياً، أخلاقياً، وشاملاً، ليعيد للدين حقيقته، وللأمة كرامتها، وللزكاة روحها الحقيقية: تطهير النفس، وإعلاء قيم العدالة، وتعزيز الشجاعة والكرامة في مواجهة الظلم والهوان.
د.رائد ناجي








