دكتور . رائد ناجي .. يكتب .. السودان: ضياع بين البندقية والدولة !
ليست الازمة السودانية مجرد صراعٍ مسلحٍ بين قوتين، بل هي تعبيرٌ كثيف عن اختلالٍ تاريخيٍ متراكم، تشكل عبر عقودٍ من التوتر بين الدولة كفكرة، والسلطة كغنيمة. هنا، لا تتصارع البنادق فقط، بل تتنازع

ليست الازمة السودانية مجرد صراعٍ مسلحٍ بين قوتين، بل هي تعبيرٌ كثيف عن اختلالٍ تاريخيٍ متراكم، تشكل عبر عقودٍ من التوتر بين الدولة كفكرة، والسلطة كغنيمة. هنا، لا تتصارع البنادق فقط، بل تتنازع الرؤى، وتتقاطع الهويات، وتتآكل الحدود بين العسكري والسياسي، بين المركز والهامش، حتى يصبح الوطن ذاته ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات المؤجلة.
في ظاهر المشهد، تبدو المواجهة بين مكوناتٍ عسكريةٍ متنازعة، لكن في عمقه، تكمن ازمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها. دولةٌ لم تستقر على عقدٍ اجتماعيٍ جامع، ولم تنجح في تحويل تنوعها إلى مصدر قوة، بل ظل هذا التنوع قابلاً للاستثمار في لحظات الانقسام. وهنا، يتحول الاختلاف من ثراءٍ محتمل إلى وقودٍ للصراع، ومن تعدديةٍ واعدة إلى شروخٍ متسعة.
ثم إن قراءة الازمة لا تكتمل دون استحضار تاريخ العلاقة الملتبسة بين الجيش والسياسة. فالجيش، الذي يفترض أن يكون حارس الدولة، وجد نفسه مراراً فاعلاً سياسياً، يملأ الفراغ حيناً، ويصنعه حيناً آخر. وفي هذا التداخل، تضيع الحدود، وتتشكل مراكز قوى متوازية، لكلٍ منها حساباتها، وشبكاتها، وامتداداتها. وهكذا، لا يعود الصراع مجرد خلافٍ على السلطة، بل يصبح صراعاً على تعريف من يملك حق تمثيل الدولة.
وفي مستوى آخر، تبرز الازمة السودانية كمرآةٍ لفشل الانتقال السياسي. لحظةٌ كان يُفترض أن تؤسس لمرحلةٍ جديدة، انزلقت إلى مسارٍ متعثر، حيث لم تُحسم القضايا الجوهرية، ولم تُبْنَ مؤسساتٌ قادرة على إدارة الاختلاف. فبقيت المرحلة الانتقالية معلقةً بين تطلعات الشارع، وحسابات النخب، وضغوط الواقع الإقليمي والدولي. هذا التعليق المستمر خلق فراغاً، سرعان ما ملأته القوى المسلحة، كلٌ وفق منطقه.
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في تفكيك هذه الازمة. اقتصادٌ هش، يعاني من اختلالاتٍ عميقة، ومن تبعيةٍ متزايدة، ومن موارد غير موزعة بعدالة. في مثل هذا السياق، تصبح السلطة مدخلاً للسيطرة على الموارد، وتتحول الدولة إلى ساحة تنافسٍ اقتصادي بوسائل عسكرية. وهنا، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، لتنتج معادلةً معقدة، يصعب فكها دون إعادة بناء شاملة.
أما البعد الاقليمي، فيضيف طبقةً اخرى من التعقيد. السودان، بحكم موقعه الجغرافي، وتقاطعاته مع محيطٍ مضطرب، يجد نفسه في قلب توازناتٍ متحركة. قوى اقليمية تراقب، وأخرى تتدخل، كلٌ وفق مصالحه وحساباته. وفي هذا التداخل، يصبح الصراع الداخلي جزءاً من لعبةٍ اوسع، تتجاوز حدود الدولة، وتعيد تشكيلها وفق معادلاتٍ خارجية بقدر ما هي داخلية.
ورغم قتامة المشهد، لا يمكن إغفال حضور المجتمع السوداني كفاعلٍ صامتٍ لكنه عميق التأثير. شعبٌ خبر التحولات، وراكم تجارب الاحتجاج، لا يزال يحمل في داخله امكانية اعادة البناء. غير أن هذه الامكانية تظل رهينةً بقدرة النخب على التقاط اللحظة، وباستعدادها لتقديم تنازلاتٍ حقيقية، تضع مصلحة الدولة فوق حسابات السلطة.
ثم إن الازمة السودانية تطرح سؤالاً ابعد من حدودها: ما معنى الدولة في سياقٍ تتنازع فيه القوى المسلحة الشرعية؟ وهل يمكن بناء دولةٍ حديثة دون حسم العلاقة بين المدني والعسكري؟ هذه الاسئلة لا تخص السودان وحده، بل تمتد الى فضاءاتٍ اخرى، تعاني من اختلالاتٍ مشابهة، وإن اختلفت السياقات.
في المحصلة، يبدو السودان اليوم كجسدٍ مثقلٍ بالجراح، يحاول ان يتماسك في وجه التفكك. صراعٌ مفتوح، وذاكرةٌ مثقلة، وافقٌ غير واضح. لكن، في قلب هذا التعقيد، تظل هناك امكانية، ولو ضئيلة، لاعادة صياغة المسار. امكانية تبدأ بالاعتراف بعمق الازمة، وبأن الحل لا يمكن ان يكون عسكرياً صرفاً، بل سياسياً شاملاً، يعيد تعريف الدولة، ويؤسس لعقدٍ جديد، يتسع للجميع.
هكذا، تتحول الازمة السودانية من حدثٍ عابر الى لحظةٍ كاشفة، تعري الاختلالات، وتفتح الباب، ولو بصعوبة، امام اعادة التفكير في معنى الدولة، وفي شروط بقائها. وبين البندقية والحلم، يظل السؤال معلقاً: ايهما سينتصر، منطق القوة، ام منطق الدولة؟
د.رائد ناجي اكاديمي ومحلل سياسي واقتصادي











