عبدالباقي جبارة .. يكتب: عودة الأرباب.. عودة الهلال الوطن.. فهنيئًا لـ”الصحاف” هذا الوفاء!
في دوائرنا المقرّبة، عندما يحتدم الجدل حول عشقنا السرمدي للأزرق الدفّاق، ولم يجد الخصوم مدخلًا للتقليل من عشقنا لهلال الملايين،

في دوائرنا المقرّبة، عندما يحتدم الجدل حول عشقنا السرمدي للأزرق الدفّاق، ولم يجد الخصوم مدخلًا للتقليل من عشقنا لهلال الملايين، يقول لي: ماذا قدّمتم له؟ لم أجد غير أن أقول: قدّمنا له خالي دمًا ولحمًا، فضل الله مهدي الدابي ليهم ، المعروف بفضل الله الصحاف، عاشق الهلال الأبدي، الذي قضى عمره منذ سنون اللبن حتى اشتعل رأسه شيبًا، فأصبح كدرويش متبتل في رحاب هذا النادي العظيم، وزهد في كل مطايب الدنيا إلا طيب الهلال، فأصبح الصحاف يتنفس أزرقًا ويرتوي من الموج الأزرق.
لم أجد شخصًا يعشق الهلال مثله ، لم يكن لاعبًا ارتبط عشقه هذا بعمر عطائه في الملعب، ولم يكن إداريًا يريد أن يحقق مكسبًا، ولم يتقرّب لرئيس نادٍ من أجل عطايا أو مغنم، لكن سبحان الله مقلب القلوب، وجدناه يعشق أحد الرؤساء، ألا وهو صلاح إدريس “الأرباب”. عندما تسمعه يتحدث ويقول أب أحمد، يستعدل في جلسته ويبتسم حتى تبدو نواجزه، وهي ابتسامة لا تقل عن لحظة انتصار أو اكتمال الهلال بدرًا.
وبما أنني قريب منه، أي الصحاف، وأعرف أحواله في القرية التي انحدر منها، وفي العاصمة الخرطوم التي عاش فيها منذ صباه، لم يمتلك فيها منزلًا، ولم ألحظ عليه تغييرًا في وضعه المادي، وخاصة في فترة الأرباب؛ حين كان يكفي أي صاحب حاجة أن يلتقي به وكفى (كفك باهلو زي سحب السما المتحين).
فاقتربت ذات يوم من الخال العزيز وسألته سؤالًا مستفزًا، وكان ذلك بعد ترك الأرباب نادي الهلال، فقلت له: كيف تربط عشقك لهذا النادي الكبير بشخص، فالهلال ذهب منه رئيس الرؤساء الطيب عبد الله مانديلا، طيب الله ثراه، وطه علي البشير، وعبد المجيد منصور وغيرهم من رموز الحركة الوطنية والرياضية؟ فقال لي: التحية والتجلّة لكل من أعطى لهذا النادي العريق، ولكن باقي عمري هذا لن أرتبط برئيس للهلال بخلاف الأرباب. وعرفت السبب بأن الصحاف وصل لقناعة بأنه لم يجد شخصًا يعشق الهلال مثله أو أكثر منه مثل الأرباب، فلذلك ارتبط عشقه للهلال بعشقه للأرباب، فسمّى ابنه صلاح، وأطلق اسم كوثر على ابنته، على اسم زوجة صلاح إدريس.
كتبت هذه المقدمة البسيطة عن الصحاف بمناسبة الخبر المفرح الذي أشار إلى عودة الأرباب لأرض الوطن، ولذلك وددت أن أكون أول المهنئين لخالي الصحاف، وكذلك أنا لا أخفي فرحي بعودة هذا الرجل، القامة الوطنية والهلالية ذات التاريخ وصفحاته الناصعة البياض. حيث رغم قلة اهتمامي بالشأن الرياضي، لكن في تتبعنا لحقبة الأرباب في الهلال، نجد أن الرجل لم يأتِ مدفوعًا بأجندة حزبية يحشد لها عبر جماهير الهلال، وكذلك لم يأتِ لتضخيم ثروته عبر هذا النادي، ولم يمارس أساليب غسل الأموال أو الهروب من جرائم أو استحقاقات آخرين يختبئ منها خلف الجماهير العريضة استغلالًا لهذه المؤسسة ذات التاريخ الناصع.
الأرباب أرسى أدبًا في الممارسة الديمقراطية، وهو سليلها (اتحاديون حكمنا شعبنا بإرادته لا بأفواه البنادق)، بل كان صاحب مدرسة إدارية لا تعرف الخنوع أو الدهنسة، وفكره الرياضي لم يقتصر على نادي الهلال فقط، بل امتد لإصلاح شأن كرة القدم في وطننا السودان، ويشهد له الجميع صراعه مع الاتحاد العام ومحاولة إصلاح القوانين المنظمة لهذا النشاط. رغم زعلنا منه العاطفي، حيث أضاع علينا كؤوسًا وإنجازات كثيرة، فضل عليها هيبة الهلال وكرامته. وأذكر زعلتي منه حين أبعد حارس الهلال المعز محجوب في مباراة مصيرية مع أحد الفرق التونسية كانت ستوصلنا لنهائي الأبطال، لأن الأرباب رفض أن تُلوى يد نادي الهلال لأي لاعب مهما كان وزنه.
الحديث عن الأرباب يطول، فهو الذي ترك نادي الوحدة الوطنية الهلال أفضل مما استلمه . وهو قيمة هذا النادي الذي تغنّت جماهيره على امتداد الوطن مع ابن الجنوب وهي تهتف: “يور الدكتور يور الدكتور”، ورقص في وسط استاد الهلال ابن جبال النوبة جبارة، وشهد عرضة سيوف أبناء الشرق ونحاس الشمال، وجلجلت فيه أصوات العملاقين وردي وود الأمين.
ترحب بك يا أبو أحمد جماهير الهلال العريضة التي تمثل الوحدة الوطنية، وأنت الذي لم تفرّق بين عاشق للهلال من الشرق أو الغرب أو الوسط أو الشمال أو الجنوب.
حضورك في هذا التوقيت، أيها الأرباب، أو حتى خبر حضورك، انتشل جماهير الهلال العريقة من حالة الحزن بعد الخروج من دوري الأبطال، مع كامل التقدير للذين قدّموا للهلال من بعدك إدارة ولاعبين. لكنك أنت وحدك صفحات من تاريخ هذا الشرف الباذخ، نادي الهلال العظيم.
كم تمنيت أن تكون هذه اللحظات عودتك في لحظات سلم وسلام، حتى ترى مكانتك في قلوب بسطاء الهلال قبل الأقطاب، لكنك حتمًا حضورك في أي وقت يمثل بارقة أمل بأن عودة الأرباب عودة وطن.
التحية والتهنئة لخالي الصحاف، ولكل رصفائه من عشاق الأزرق الدفّاق.







