محمد عثمان آدم .. يكتب .. السودان: الحاضر الغائب القوي في افريقيا
لا شك أن السودان يمتلك إمكانيات هائلة في مجال القوة الناعمة. ومن المؤكد أيضاً أنه لم يُظهر، بل وم يبذل جهداً يُذكر، في استغلال هذه القوة والنفوذ بشكل إيجابي.

لا شك أن السودان يمتلك إمكانيات هائلة في مجال القوة الناعمة. ومن المؤكد أيضاً أنه لم يُظهر، بل وم يبذل جهداً يُذكر، في استغلال هذه القوة والنفوذ بشكل إيجابي.
قد يُجادل البعض بأن استغلال إمكانيات القوة الصلبة يتطلب تكنولوجيا متطورة، واستثمارات رأسمالية ضخمة، ونفوذاً سياسياً لاستخراج اليورانيوم، أو حتى استصلاح ملايين الأراضي الصالحة للزراعة في أقصى الشمال والجنوب، ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، ومن المنحدرات الجبلية الوعرة إلى السهول الرملية الخصبة سهلة الزراعة.
هذه تحديات قد تستدعي استيراد بعض الموارد من خارج السودان للاستفادة منها وإضافة قيمة إليها. وهذا أمرٌ قد يكون صعباً ومكلفاً بعض الشيء.
ولكن ماذا عن الأشياء التي نمارسها، ونستمتع بها، ونُبدعها في بيوتنا، الأشياء التي تُشكّل جزءاً من سعادتنا وبهجتنا اليومية، فنوننا، لغاتنا، رقصاتنا، أزيائنا، كلمات أغانينا؟ لا تتطلب هذه الموارد أي استيراد على الإطلاق.
هذه هي الموارد التي لا نستغلها، موارد تحسدنا عليها دول أخرى، بل إنها أحيانًا تستغلها استغلالًا أمثل. ونحن نرى فيها تحديات، بينما يراها الآخرون فرصًا واعدة.
ما يبدو نقطة ضعف، ألا وهو التنوع الثقافي واللغوي والاجتماعي والعرقي والفني، هو في الواقع نقاط قوة السودان لو أحسن استغلالها، وهو ما لم يُبدِ حتى الآن اهتمامًا يُذكر باستغلاله.
ولتوضيح وجهة نظري، سأستشهد بثلاثة أحداث وقعت خلال فعاليةٍ حظيت باهتمام واسع النطاق، أُقيمت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في نهاية نوفمبر 2025: حفل توزيع الجوائز على الإعلاميين والشخصيات المؤثرة في شرق أفريقيا. وقد نظّمت هذه الفعالية الهيئة الحكومية الدولية للتنمية في شرق أفريقيا – ايقاد.
و حضوري لذلك الحدث جاء لاني وفي منتصف عام 2015 تم اختياري ضمن مجموهة من الصحفيين من دول شرق افريفيا بعد منافسة شملت مئات من الصحفين والاعلاميين و الاكاديميين الجامعين و انحصرت المنافسة في 120 انتهي الامر باختيار 21 اي معدل 3 صحقين من كل دولة ليكونوا لجنة لتقييم و دراسة المساهمات الاعلامية والصحفية ضمن منافسة الايفاد االاعلامية وو قع الاختيار من بين هولاء علي 7 صحفيين هم بمثابة اللجنة التنفيذية. يشار الي انه يجري في كل عام اعادة المنافسة لهذه اللجان اعمالا لمبدا الشفافية
في ذلك الاحتفال، حضر جميع الممثلين الدبلوماسيين من الدول الأعضاء في المنظمة، وكذلك المسؤولون الحكوميون من الدول الأعضاء
كنتُ عضواً في لجنة التحكيم، وأحد قادة الدولCountry Leads، وهي المجموعة التي تُقيّم مشاركة الصحفيين من الدول الأعضاء، وتسمي المرشحين لجائزة إيقاد الإعلامية والجماهيرية، وتُعلن عن المتأهلين للتصفيات النهائية والفائزين.
في ذلك الحدث الذي عُقد في أديس أبابا، في الفترة من 28 إلى 30 نوفمبر، حضر صحفيون وقيادات من إيقاد من جميع دولها باستثناء إريتريا .
تنافس مئات الصحفيين على جائزة مُخصصة للكتابة عن قضايا البيئة، وتحديداً القضايا المتعلقة بمنطقة إيغاد.
مرة أخرى، لم يُبدِ سوى عدد قليل جداً من الصحفيين السودانيين اهتماماً بالمشاركة في المسابقة، وبالتالي كانت المشاركات قليلة جداً، ولم تكن تعكس ثراء المشهد الإعلامي والصحفي السوداني. وكان من الواضح أن ضعف إتقان اللغات الأجنبية هو السبب الرئيسي.
سارت مراسم التكريم بسلاسة تامة، ثم بدأت الاحتفالات. في تلك اللحظة، لم أستطع كبح جماح مشاعري.
بدأ الحفل والاحتفال ببيان رئيسي ألقاه الأمين العام للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية -إيغاد-وركنه جيبيهو، الذي خصص ربع بيانه للحديث عن السودان، رغم أن الحفل كان مخصصًا للصحافة وتوزيع الجوائز وأشار إلى معاناة الشعب السوداني، العضو في إيقاد، وقال إن قيادة إيقاد وشعوبها يتذكرون الشعب السوداني ومعاناته، وأن إيقاد ستبذل قصارى جهدها لمساعدة الشعب السوداني على استعادة الأمن والسلام.
ثم كانت المفاجأة الكبرى. فقد استخدمت الايقاد ة المنظمون الاثيوبيون الرقصات الشعبية السودانية والموسيقى السودانية كخلفية موسيقية لعرض جماليات دول إيقاد، من رقصات ومواشي وطيور وشعوب و قبائل، إلى رقصات وإيقاعات مميزة، وصولًا إلى الراقصين الشعبيين الرئيسيين. وبدأ الحفل بمدائح اولاد الشيخ عبد الرحيم البرعي.
ثم استؤنفت البيانات، وبعدها استراحة قصيرة. ثم اذا يالمكان كله ببخوره وصندله وعطره يغمر مئلت المشاركين، ةد حضر الاختفال وزير الخارجية الاثيوبي . وتزينت المنطقة بموسيقى وأغاني وردي، ثم تلتها رقصات فولكلورية من غرب السودان، ثم الأهرامات في أقصى شمال السودان. كان مشهدًا مؤثرًا للغاية رؤية الناس يرقصون على أنغام الأغاني والكلمات السودانية، على أنغام المطربين السودانيين.
اما ما أوصلني إلى ذروة النشوة فكان عندما اعتلت المغنية الإثيوبية الرئيسية، ملات كليمورك، المسرح، لم تغنِ لوردي فحسب، بل غنت أيضًا أغاني لمطربين سودانيين معاصرين من وسط وشرق السودان، من أمين عبد الغفار إلى طه سليمان… لم أستطع كبح جماح مشاعري في تلك اللحظة. دخلتُ الساحة و عرضت وقفزت ورقصتُ، بطريقة لم أفعلها من قبل، لم يكن حولي أي سوداني، ثم بدأ الناس يتدفقون إلى ساحة الحفل، ثم رأيتُ سودانيًا يؤدي يبشر و يعرض في الساحة…صقر يقول للرخمات خو…… وشعرتُ بشيء لا تشعر به إلا عندما تكون خارج السودان، في برية أوروبية، وفجأة تسمع أحدهم يقول لك: …يازول….
… هذه هي قوتنا الناعمة التي لا نستخدمها، ولا ننشرها










