مقال

د التوم حاج الصافي .. يكتب .. هل عرفتموهم؟

لم يعد المشهد بحاجة إلى كثير من التلميح. الخطاب معروف، والأدوار محفوظة، والوجوه تتبدل شكليًا بينما المضمون واحد.

 

 

 

لم يعد المشهد بحاجة إلى كثير من التلميح.
الخطاب معروف، والأدوار محفوظة، والوجوه تتبدل شكليًا بينما المضمون واحد.
إنها مجموعة من الأصوات التي تملأ الفضاء الإعلامي، مقدِّمة نفسها بوصفها عقل الدولة وحكمة اللحظة، بينما تمارس في الواقع دور تسويق خطاب السلطة المؤدلجة وتبرير العنف السياسي.

بعضهم جاء من عالم التعليق الرياضي أو الإعلام الخفيف،
وقفز فجأة إلى موقع “الخبير السياسي”،
دون مسار معرفي واضح أو تجربة بحثية أو حتى مراجعة علنية لمواقفه السابقة.
تحول فجّ من تحليل مباراة إلى تبرير حرب،
ومن لغة المدرجات إلى مفردات التعبئة والتحريض.

آخرون يفضلون العمل في الظل،
لا يظهرون كثيرًا في الواجهة، لكنهم حاضرون حيث تُدار العلاقات وتُصاغ الروايات الرسمية.
خطابهم رمادي، لا يصطدم بالسلطة ولا يبتعد عنها،
ويجيدون فن البقاء في المنطقة الآمنة سياسيًا وإعلاميًا.

وهناك فئة ثالثة من كتّاب “الموائد”،
يكتبون بطمأنينة من يملك الامتياز،
ويمنحون صكوك الوطنية لمن ينسجم مع خطابهم،
ويصادرونها ممن يطرح سؤالًا أو يمارس نقدًا خارج السقف المسموح.

ولا يغيب عن المشهد أصحاب الضجيج الدائم،
الذين لم يتغير خطابهم بمرور الزمن،
بل تغيّر فقط موقعهم من السلطة.
اللغة نفسها: تحريض، تخوين، تبسيط فجّ للواقع،
وخدمة مباشرة لمن يملك القوة والسلاح.

هذه الأصوات لا تمارس صحافة نقدية،
ولا تنقل تعددًا في الآراء،
ولا تطرح أسئلة صعبة على مراكز القرار.

بل تعيد إنتاج خطاب الإسلامويين والعسكر المؤدلجين،
تُشيطن الضحايا،
وتُبرئ الجناة،
وتنفخ في نيران الحرب،
ثم تختتم مقالاتها بالحديث عن الوطن والسيادة والمؤامرات الخارجية.

الأخطر من كل ذلك أنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم “نخبة الوعي”،
ويصنفون المختلفين معهم باعتبارهم خونة أو عملاء أو سُذّج.
بينما الواقع أبسط من ذلك:
مواقف انتقائية،
وأقلام مأجورة بالامتياز أو الخوف،
وصمت محسوب حيث يجب الكلام.

لقد عرفهم الناس.
عرفوا اللغة، والأسلوب، والنبرة المتعالية.
وعرفوا أن المشكلة ليست في اختلاف الرأي،
بل في تحويل الصحافة إلى أداة تعبئة سياسية على حساب الحقيقة والدم والضحايا.

التاريخ لا ينسى،
والذاكرة العامة لا تُمحى بسهولة،
والصحافة التي تختار الاصطفاف الأعمى مع السلطة،
ستُسأل يومًا عن صمتها،
وعن الكلمات التي كتبتها وهي تعرف ثمنها.

د التوم حاج الصافي .خبير علاقات دولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى