مقال

عبد المنعم محمد.. يكتب.. السودان بين أنياب التفتيت ومرايا الضمير الوطني

يعيش السودان اليوم على حافة جرحٍ مفتوح، تتنازعه الأيدي العابثة وتغذّي نزيفه المراهنات الخفية...

متابعات : ترياق نيوز

بقلم: عبد المنعم محمد داؤد

يعيش السودان اليوم على حافة جرحٍ مفتوح، تتنازعه الأيدي العابثة وتغذّي نزيفه المراهنات الخفية.
من بين ركام الألم، تلوح حقائق مرة؛ فالتدخلات الأجنبية لم تعد سرًّا تُهمس به الصالونات السياسية، بل واقعًا يُرى في ملامح المدن المحترقة ودموع الأطفال المشردين.
إنّ أخطر ما يُحدِق ببلادنا ليس القتال وحده، بل ذلك السعي المحموم لتفكيكها وتمزيق نسيجها الوطني، حتى تغدو أرضًا بلا هوية، وثروةً بلا أصحاب.

تتحرك بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، بأدواتٍ لينة المظهر قاسية الجوهر، لتعيد تشكيل السودان بما يخدم مصالحها الضيقة.
إنها تُلوِّح بشعارات الإعمار والسلام، بينما تسعى في الخفاء إلى هندسة واقعٍ جديد، تُختزل فيه السيادة في يد الغريب، ويُمحى فيه صوت الإنسان السوداني من خريطة القرار.
وكأن قدر هذا الشعب أن يُستباح مرتين: مرةً بالسلاح، ومرةً بالمال.

ورغم ما نختلف حوله من مواقف وسياسات، يبقى الجيش السوداني ـ بما يمثله من رمزٍ للوطن ـ صخرةً تتكسر عليها مؤامرات التفتيت.
فليس الدفاع عن الجيش تمجيدًا للأشخاص، بل حمايةً للكيان الذي يحرس حدود التراب والكرامة.
نحن نمارس النقد بصدق، ولكننا لا نمنح الخيانة حقَّ التنكّر في ثياب الرأي.
فالوطن، حين ينهار جيشه، لا يجد من يقيم عليه صلاة الغائب.

الفاشر اليوم مرآة لكل السودان.
مدينة صامدة في وجه النسيان، تقاتل وحدها دفاعًا عن ما تبقّى من الحلم.
ومن يتأمل مأساتها يدرك أن الحرب لم تكن نزاعًا على سلطة، بل على هويةٍ يراد لها أن تُمحى.
ذلك أن الأوطان لا تُسلب مرةً واحدة، بل على دفعاتٍ من اللامبالاة والتواطؤ.

لذا فإن مسؤولية المثقفين والإعلاميين أن يكونوا حراس الوعي، لا شهود الصمت.
فالحرب لا تُخاض بالبندقية وحدها، بل بالكلمة التي تُضيء، والفكرة التي تُنقذ، والإرادة التي ترفض الخضوع.
ومن يخسر وعيه، يخسر وطنه قبل أن تطاله الرصاصة.

سيبقى السودان، مهما تكالبت عليه الأطماع، أكبر من حدود الطامعين، وأبقى من أعمار العابثين.
وستظلّ كرامته رايةً لا تنكسها الرياح، لأن في هذه الأرض رجالاً ونساءً آمنوا أن كل أموال الدنيا لا تساوي لحظة وفاءٍ صادقٍ للوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى