عبدالباقي جبارة .. يكتب .. ” فزع الحروف ” .. حليل الأزهري .. الأعيسر ” شرب الدواء كلو ” !
الطرفة التي يرددها عضو فرقة تيراب المسرحية محمد موسى، ردَّ الله غربته، تقول بأن هنالك امرأة بلغت من العمر عتيًّا، ولديها ابن مغترب في دول الخليج، لم يقصِّر يومًا في الاستجابة لمطالبها، ويوميًا تسمع

الطرفة التي يرددها عضو فرقة تيراب المسرحية محمد موسى، ردَّ الله غربته، تقول بأن هنالك امرأة بلغت من العمر عتيًّا، ولديها ابن مغترب في دول الخليج، لم يقصِّر يومًا في الاستجابة لمطالبها، ويوميًا تسمع القصص عن دول الاغتراب بأنها فيها “لبن الطير”. فذات يوم طلبت من ابنها بأن يحضر لها دواء يعيد لها شبابها، وبالفعل أرسل قارورة شراب، وبعد فترة عاد الابن خلال إجازته، وعندما طرق باب منزلهم فتحت له الباب فتاة عشرينية، كأنه لم يرها من قبل، فسألها: من أنتِ؟ قالت له: أنا أمك، وبجوارها طفل لم يبلغ الحلم بعد، فسألها: ومن هذا الطفل؟ فقالت له: هذا أبوك، غافلني وشرب متبقي “الفتيل” كله!
بالأمس، وأنا أستمع لوزير إعلام دولتنا الموقرة خالد الأعيسر قبل “تشرب دواء تصغير العمر”، تذكرت أب الاستقلال الزعيم الراحل الأزهري، وجرت في مخيلتي مواقف كثيرة خلدها له التاريخ، أبرزها تمثيله السودان في مؤتمر دول عدم الانحياز في خمسينيات القرن الماضي، وحينها كان السودان يرزح تحت الاستعمار الحكم الثنائي الإنجليزي/المصري، وكان لا بد لأي دولة من وجود علم يرمز لها، ووقتها لم يكن السودان قد حدَّد شكل أو لون علمه، وأراد ممثل الدولة المصرية أن يمثل بلاده والسودان ، فرفض الأزهري في إباء، واستدرك حينها ضرورة معالجة الموقف، فأخرج من جيبه منديلًا أبيضا ورمز به للسودان، فاحتفظ به متحف آسيا الفتية في باندونق حتى يومنا هذا، فسقطت بعده عدة دول واعلامها ومواقفها، ولم يسقط بعد، وما زال يقف عنده أي مسؤول سوداني يزور تلك المدينة مفتخرًا بهذا الإرث التاريخي.
والموقف الثاني، حين زار أول وفد رسمي لحكومة السودان العاصمة البريطانية لندن بقيادة الزعيم الأزهري، وأُعدَّ له حفل استقبال لدى الملكة في قاعة قصرها بكامل طقوس استقبال الرؤساء والملوك، وكانت المفاجأة بأن تقدم الزعيم الأزهري وجلس على كرسي الملكة، ولم يجلس في المكان المخصص له، وحينها لم تدخل الملكة القاعة، فحدثت ربكة وسط طاقم مراسم الملكة، وظنوا بأن هذا الوافد من غابات أفريقيا لا يعرف “البروتوكول”. فتقدم أحدهم بهدوء وقال له: سيدي، هذا ليس مكان جلوسك، بل هذا كرسي العرش، بمعنى أن الذي يجلس عليه هو من يحكم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، حين كانت بريطانيا في عز مجدها، وهي تحكم كثيرًا من دول العالم، من بلاد المهاتما غاندي الهند إلى أدغال أفريقيا.
فقال الزعيم الأزهري لموظف المراسم: أعلم ذلك، أي أعلم أنه كرسي الملكة وجلست عليه. فاندهش الرجل الإنجليزي وسط وجوم عمَّ القاعة الممتلئة باللوردات وكل مستويات القادة في هذه الدولة العظمى حينها. لم ينتظر الأزهري سؤالًا آخر يبدأ بـ “لماذا؟”، بل خاطب القاعة كلها، بل بريطانيا كلها، ملكةً وحكومةً وشعبًا، قائلًا: انظروا، لم تتحملوا جلوسي على عرشكم لبضعة دقائق، فكيف بنا نحن الشعب السوداني، ظللنا نرزح تحت حكمكم الاستعماري لعدة عقود؟ فدوت القاعة بالتصفيق له حتى أدمت أيدي الرجل الأبيض، كأنه لم يصفق من قبل، فأوصل رسالة العزة والشموخ، ولم يحتاج بعدها السودان إلى “شهيق أو نهيق”، كما يحدث الآن، لينال استقلاله، فكان استقلالا مثل “صحن الصيني لا شق ولا طق”.
صراحةً، عندما استرجعت ذاكرتي رويدًا رويدًا وأنا أنظر إلى وزير إعلامنا الهمام الأعيسر، وهو يرفع في وجهنا إصبعه السبابة ويصرخ بالتهديد والوعيد، أصابني الدوار من المقارنة المعدومة للأسف. الأعيسر جاء من نفس الأرض التي أنبتت الأزهري وجده إسماعيل الولي كردفان الغرة بارا وخضارا والابيض أب قبة فحل الديوم اداب العاصي ، فقلت في نفسي: يمكن هو نفسه أبونا، أب الاستقلال الأزهري، لكنه شرب باقي “الفتيل كلو ” ! لكن للأسف، حتى هذه الصور الخيالية لم يتركنا الأعيسر نستمتع بها، وهو يقول: “تغدينا داخل قبة البرلمان البريطاني !”.. (تاكل الحمت رمت) يا رجل، قبة برلمان الجمعية التأسيسية في شارع الموردة ما كان أحد يدخلها بكيس تسالي، فهل توجد قبة برلمان في العالم يتم تناول الغداء داخلها؟!
ونفترض جدلًا أن هنالك قاعة مصاحبة يتم فيها تناول الغداء والمشروبات الروحية والقهوة والشاي، فما هو الـ “فيد باك” الذي سيجنيه هذا الشعب المغلوب على أمره؟ هل تركتم “منديلًا” داخل قبة البرلمان البريطاني يخلد اسم السودان وتتوارثه الأجيال؟ أم فرضتم قرارًا وطنيًا اتخذه الشعب السوداني بالتحرر من أشباه الحكام أمثالكم، الذين لا يليق بهم وصف حكام وطنيين أو مستعمرين جدد؟! لكنها حكومات، مثل أمراض أفريقيا الوبائية، قد يتم استئصالها سريعًا أو تستوطن.
لكن المضحك حد الاستلقاء، رجل يتوعد أعداءه بالنيل منهم بعد تركه السلطة، وهو الآن في يده كل آلة القمع وقوانينها القمعية وجوقة “مطبلين” ، ويتوعد بإثبات وجوده عندما يصبح مطاردًا ومطلوبًا للعدالة ! ، خاصةً بأنكم لستم في حكومة ديكتاتورية مثل دكتاتورية عبود، عندما ردَّ للشعب أمانته مشى في الأسواق يتبضع مثله مثل أي مواطن ، وهتف وراءه الشعب: “ضيعتاك وضعنا وراك”. وكذلك أنتم لا تعرفون معنى حكومة تأتي بإرادة الشعب وتذهب بإرادته، بل أنتم حالة مرضية ، مجرد ابتلاء رباني، سيتعافى منه الشعب وهذا الوطن المكلوم يوما ما بإذن الله قريبًا .







