الدكتور .. رائد ناجي .. يكتب : وهم القبول في الارض: كيف صنع المداخلة قداسة الشيوخ وتحول المنهج الى هوية مغلقة؟
ليست ازمة التيار المدخلي في كونه تيارا فقهيا محافظا؛ فالمحافظة الدينية ليست عيبا في ذاتها، وليست المشكلة ايضا في كثرة

ليست ازمة التيار المدخلي في كونه تيارا فقهيا محافظا؛ فالمحافظة الدينية ليست عيبا في ذاتها، وليست المشكلة ايضا في كثرة استشهادهم بالنصوص او تعظيمهم لمسألة الطاعة والانضباط. الازمة الحقيقية تكمن في البنية النفسية والفكرية التي تجعل اتباع هذا التيار يعتقدون ان شيوخهم قد نالوا “القبول في الارض”، وانهم وحدهم اهل السنة الحقيقيون، وان كل من خالفهم، ولو في جزئية صغيرة، قد انحرف عن “المنهج القويم”. هنا لا يعود الدين مساحة هداية؛ بل يتحول الى جهاز فرز، والى مؤسسة احتكار رمزي للحقيقة.
المداخلة لا ينطلقون غالبا من سؤال: “ما الحق؟”، بل من سؤال اخطر: “من الذي يمثل الحق؟”. ومن هنا تبدأ صناعة الهالة. فالفرد داخل هذا التيار لا يتعامل مع الشيخ بوصفه عالما يمكن ان يصيب او يخطئ؛ بل بوصفه دليلا اجتماعيا على النجاة. ولذلك تصبح اسماء معينة اشبه بعلامات طهارة فكرية؛ من اقترب منها نجا، ومن ابتعد عنها صار مشبوها. هذه البنية ليست علمية بقدر ما هي نفسية؛ اذ يبحث الانسان القلق دائما عن يقين جماعي يحميه من اسئلة الشك والتعقيد.
ومن اخطر ما فعله هذا التيار انه اختزل مفهوم “المنهج” في الولاء للاشخاص. فالمنهج في التراث الاسلامي كان يعني طريقة الاستدلال، وضبط الفهم، واخلاق الاختلاف، اما في الخطاب المدخلي فقد تحول شيئا فشيئا الى خارطة ولاءات: من تزكي؟ من تجالس؟ من تحذر منه؟ من تصفق له؟ ولذلك لم يعد الشاب المدخلي يقيس التدين بعمق الفقه او نقاء الاخلاق؛ بل بمقدار الالتزام بقوائم التصنيف والتحذير.
هنا تحديدا يتشكل وهم “القبول في الارض”. فهم يفسرون كثرة الاتباع، وانتشار المقاطع، وحضور الاسماء في المجالس، باعتبارها دليلا الهيا على سلامة الطريق. بينما التاريخ يعلمنا ان الانتشار لا يعني الحقيقة دائما؛ فالفرق الكبرى، والحركات الاكثر ضجيجا، كانت غالبا الاكثر قدرة على التعبئة النفسية لا الاكثر صدقا. لكن الخطاب المدخلي يعتمد على ما يمكن تسميته “الاستدلال الاجتماعي”، اي ان وجود جمهور متحمس حول الشيخ يتحول تلقائيا الى برهان شرعي على صحة قوله.
كما ان هذا التيار يعيش حالة استبطان عميقة لفكرة “الفرقة الناجية”. لكنه لا يتعامل معها باعتبارها توصيفا اخلاقيا وسلوكيا؛ بل باعتبارها بطاقة هوية تنظيمية. ولذلك يشعر كثير من اتباعه بتفوق خفي على بقية المسلمين، حتى لو حاولوا اظهار التواضع. انهم يتحدثون احيانا بلغة الرحمة، لكنهم ينظرون الى المجتمع بعين الريبة، وكأن الناس جميعا غارقون في البدع والاهواء، بينما هم فقط حراس البوابة الاخيرة للسنة.
ولعل السبب الاهم في شعورهم بهذا الاصطفاء يعود الى طبيعة التربية الداخلية. فالفرد المدخلي يتعرض منذ البداية الى عملية اعادة تشكيل ذهني قائمة على ثنائية حادة: “نحن” و”هم”. نحن اهل المنهج، وهم اهل التميع. نحن اهل السنة، وهم اهل الاهواء. نحن اهل الطاعة، وهم اهل الفتن. ومع الزمن تتحول هذه الثنائية الى جدار نفسي يمنع المراجعة، لان اي نقد للتيار سيبدو وكأنه خيانة للحقيقة نفسها.
ولهذا يكثر داخل هذا التيار الحديث عن “الثبات”، لكنه ثبات يقوم غالبا على الخوف لا على الوعي. فالعضو يخشى ان يراجع افكاره حتى لا يسقط من عين الجماعة، او يتعرض للتبديع، او يصبح مادة للتحذير. وهنا تتحول الطاعة من قيمة اخلاقية الى اداة ضبط اجتماعي. ولذلك نادرا ما ينتج هذا المناخ شخصيات نقدية مستقلة؛ بل ينتج افرادا يعيدون تدوير اللغة نفسها، والاحكام نفسها، والانفعالات نفسها.
ومن المفارقات ان التيار الذي يرفع شعار “اتباع السلف” يمارس احيانا نوعا من التقديس غير المعلن للمشايخ المعاصرين. فالسلف عندهم يتحولون الى بوابة رمزية تمنح الشرعية للشيخ الحاضر، لا الى تجربة تاريخية مفتوحة للفهم والاجتهاد. ومن هنا يصبح نقد الشيخ اقرب الى التعدي على المنهج نفسه، وكأن الحقيقة قد اختزلت في اشخاص بعينهم.
ان مشكلة المداخلة ليست في حرصهم على السنة، بل في تصورهم ان السنة لا تسكن الا داخل حدودهم النفسية والتنظيمية. ولذلك تراهم يبالغون في انتاج مفاهيم “التحذير”، و”التصنيف”، و”كشف الحزبيات”، لان بقاء الجماعة يحتاج دائما الى عدو يبرر تماسكها الداخلي. فكل تيار مغلق يعيش على فكرة التهديد الخارجي؛ اذ بدون خصوم يفقد مبرر اصطفائه.
وفي النهاية؛ فان اخطر ما يصيب اي جماعة دينية ليس الخطأ الفكري وحده، بل شعورها انها معصومة جماعيا. حين يعتقد الانسان ان الله قد فوضه وحده لحراسة الحقيقة، فانه يتحول تدريجيا من داعية الى قاض، ومن طالب علم الى حارس هوية، ومن باحث عن الهداية الى مفتش عقائد. وعند تلك اللحظة يصبح “القبول في الارض” مجرد وهم نفسي كبير؛ وهم تصنعه الجماعة لنفسها، ثم تعيش داخله حتى تظن ان صوتها هو صوت الدين ذاته.







