الدكتور رائد ناجي .. يكتب .. حين يتحول الهدم إلى عقيدة: لماذا يستهدف التيار المدخلي الرموز والقدوات في الوطن العربي؟
ليست أخطر التيارات تلك التي ترفع السلاح فحسب، بل تلك التي تُعيد تشكيل الوعي بطريقة تجعل الإنسان يشكّ في كل رمز، ويرتاب من كل قدوة، ويخاف من كل شخصية تمتلك تأثيرًا معنويًا في المجتمع.

ليست أخطر التيارات تلك التي ترفع السلاح فحسب، بل تلك التي تُعيد تشكيل الوعي بطريقة تجعل الإنسان يشكّ في كل رمز، ويرتاب من كل قدوة، ويخاف من كل شخصية تمتلك تأثيرًا معنويًا في المجتمع. فالاحتلال الحقيقي لا يبدأ باحتلال الأرض، بل باحتلال المخيلة، وتفكيك المرجعيات، وتحويل الأمة إلى جماعات متنافرة بلا رموز جامعة ولا شخصيات ملهمة. ومن هنا يمكن فهم أحد أخطر الأبعاد الفكرية المرتبطة بالتيار المدخلي في الوطن العربي؛ إذ لم يكن اشتباكه الأساسي مع الاستعمار أو الهيمنة أو مشاريع التفكيك الكبرى، بقدر ما انصبّ ـ في كثير من تجلياته ـ على ملاحقة الرموز العلمية والدعوية والفكرية والسياسية والاجتماعية.
إن التيار المدخلي، في بنيته الفكرية، يقوم على مركزية “الطاعة المطلقة”، لا بوصفها قيمة تنظيمية فحسب، بل باعتبارها أداة لإنتاج مجتمع منزوع الإرادة السياسية والفكرية. ولذلك فإن أي شخصية تمتلك حضورًا جماهيريًا أو قدرة على التأثير المستقل تُصبح ـ في الوعي المدخلي ـ مصدر تهديد محتمل، حتى وإن كانت من داخل البيئة الدينية نفسها. فالرمز، في نظر هذا التيار، ليس عنصر نهضة، بل احتمال فتنة، وليس مشروع وعي، بل احتمال منافسة للسلطة الرمزية التي يحتكرها الخطاب المدخلي.
ومن هنا نفهم لماذا تحوّل “التبديع” و”التجريح” و”إسقاط الهيبة المعنوية” إلى أدوات مركزية داخل هذا التيار. فالرموز تُفكَّك لا بالحوار العلمي الرصين، بل عبر صناعة الشك حول نواياها، واتهامها بالحزبية أو الانحراف أو طلب الشهرة أو الخروج عن “منهج السلف”. وهنا لا يعود الخلاف فقهيًا أو معرفيًا، بل يتحول إلى عملية اغتيال معنوي ممنهجة تستهدف قتل الثقة بين الجماهير وقدواتها.
لقد أدركت الأمم عبر التاريخ أن وجود الرموز ضرورة حضارية. فالمجتمعات لا تعيش بالقوانين وحدها، بل تعيش أيضًا بالأمثلة الملهمة. والقدوة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة نفسية واجتماعية وتربوية. لذلك كانت القوى الاستعمارية تعمل دائمًا على تحطيم الرموز الوطنية والعلمية؛ لأنها تعرف أن الأمة التي تفقد ثقتها برجالها تصبح أكثر قابلية للهيمنة. غير أن الخطير في الحالة المدخلية أن عملية الهدم تجري أحيانًا باسم “الدفاع عن العقيدة”، مما يمنحها غطاءً دينيًا يجعلها أكثر قدرة على النفاذ إلى الوعي الشعبي.
إن جزءًا من أزمة هذا التيار أنه يختزل الدين في مفهوم “التحذير”، حتى يصبح العالم الحقيقي ـ في نظر بعض أتباعه ـ هو الذي يُكثر من التصنيف والتبديع وإسقاط الأشخاص. وهكذا تتحول الساحة الفكرية إلى محكمة دائمة، ويصبح الخطأ البشري البسيط سببًا كافيًا لإعدام التاريخ العلمي أو الدعوي لشخصية ما. وفي هذه البيئة، لا تنمو الثقة، بل ينمو الخوف، ولا يتوسع العقل، بل تتوسع ثقافة الارتياب.
ثم إن استهداف الرموز يخدم ـ بصورة غير مباشرة ـ حالة الفراغ الحضاري. فحين تُكسر النخب العلمية والفكرية والدعوية، تظهر جماهير بلا بوصلة، يسهل توجيهها نحو الطاعة العمياء أو الانكفاء أو العزلة عن قضايا الأمة الكبرى. ولذلك نلاحظ أن كثيرًا من الخطابات المدخلية تنشغل بالصراعات الداخلية أكثر من انشغالها بأسئلة التحرر والعدالة والاستقلال الحضاري. إنها تُكثر الحديث عن “خطر الدعاة”، بينما تقلّ حساسية خطابها تجاه خطر الاحتلال أو التبعية أو التفكك الاجتماعي.
وهنا تتبدى المفارقة الكبرى؛ إذ بينما كانت الشعوب العربية تبحث عن شخصيات تبعث فيها الأمل والثقة والكرامة، كان الخطاب المدخلي يعمل ـ في أحيان كثيرة ـ على تفريغ المجال العام من أي حضور كاريزمي أو فكري مؤثر. وكأن المطلوب هو إنتاج مجتمع بلا أصوات عالية، وبلا شخصيات جامعة، وبلا مشاريع نهضوية، حتى يبقى المجال مفتوحًا لسلطة التلقين وحدها.
ولا يعني هذا أن الرموز معصومة أو فوق النقد؛ فكل إنسان يخطئ ويصيب، والنقد العلمي ضرورة صحية لأي نهضة. لكن الفرق شاسع بين نقدٍ يبني الوعي، ونقدٍ يتحول إلى ماكينة للهدم النفسي والمعنوي. فالرموز تُناقش وتُراجع، لكنها لا تُذبح أخلاقيًا أمام الجماهير لمجرد اختلاف اجتهادي أو موقف سياسي أو رؤية فكرية.
إن أخطر ما تفعله ثقافة إسقاط القدوات أنها تزرع اليأس داخل الأجيال الجديدة. فالشاب الذي يرى العلماء والمفكرين والدعاة يُسحقون يوميًا سيفقد ثقته بفكرة القدوة أصلًا، وسيتحول تدريجيًا إلى كائن فرداني لا يؤمن إلا بنفسه أو ينزلق نحو العبث واللامبالاة. وهكذا تُصاب الأمة بالعقم الرمزي؛ أي بالعجز عن إنتاج شخصيات جامعة تُلهم الناس وتمنحهم المعنى.
وفي العمق، تبدو المعركة الحقيقية معركة وعي حضاري. فالأمم الحية لا تُقدّس رموزها، لكنها أيضًا لا تسمح بتحويل الفضاء العام إلى مقبرة معنوية لرجالها ونسائها. لأنها تدرك أن بناء الإنسان يحتاج إلى نماذج، وأن الهدم المستمر للقدوات ليس علامة صحة، بل علامة انهيار داخلي بطيء.
ولهذا فإن مواجهة هذا النمط من الخطاب لا تكون بالصراخ المضاد، بل بإحياء ثقافة التوازن؛ ثقافة النقد المسؤول، واحترام الرموز، وإدراك أن الاختلاف لا يعني الإعدام المعنوي. فالأمة التي تهدم كل رموزها، ستستيقظ يومًا لتكتشف أنها لم تُسقط الأشخاص فقط، بل أسقطت معها ثقتها بنفسها، وكسرت مرآتها الحضارية بيديها.






