د. أماني الطويل .. تكتب .. السودان في مفترق حرب إيران !
أضاف الجيش السوداني إلى قائمة تعقيداته متغيراً لم يكن في حاجة إليه حين وجد نفسه بحكم التشابك الميداني مع الإسلاميين في موقع من يحسَب ضمنياً على المحور الإيراني في لحظة تعيد فيها واشنطن رسم حساباتها الإقليمية

أضاف الجيش السوداني إلى قائمة تعقيداته متغيراً لم يكن في حاجة إليه حين وجد نفسه بحكم التشابك الميداني مع الإسلاميين في موقع من يحسَب ضمنياً على المحور الإيراني في لحظة تعيد فيها واشنطن رسم حساباتها الإقليمية
..
لم يكن يدرك الناجي عبدالله، قائد إحدى الكتائب المقاتلة تحت مظلة الجيش السوداني، حين أعلن بصوت مرتفع استعداده للقتال إلى جانب إيران في مواجهة أي هجوم أميركي – إسرائيلي، أن تصريحه هذا كان كاشفاً عن المأزق الذي وقع فيه الجيش السوداني نتيجة التفاعل القتالي مع ميليشيات الحركة الإسلامية السودانية، إذ كانت تكاليف هذا الخيار الجيوسياسية منخفضة في توقيت بداية اندلاع الحرب عن التكاليف الراهنة وبعد ما يقارب من ثلاثة أعوام من الحرب السودانية، إذ جاء تصريح الناجي في سياق بالغ الحساسية: حرب أميركية – إسرائيلية على إيران في مراحلها المتقدمة منذ أواخر فبراير 2026، وتصنيف أميركي رسمي للإسلاميين السودانيين بوصفهم منظمة إرهابية دولية متخصصة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس هل تصنيف واشنطن عادل، بل ما الذي يعنيه هذا التصنيف في سياق الصراعات المتشابكة، وكيف أسهم التصرف السوداني نفسه في بناء هذا السياق؟
في هذا السياق، لا بد من إدراك أن ما يجري في السودان ليس حرباً داخلية تتشابك مع متغيرات إقليمية عارضة، بل هو حالة من حالات الانهيار المركب الذي يفتح المجال أمام قوى خارجية لإعادة رسم حدود الصراع وفق أجنداتها الخاصة. فالحرب السودانية المشتعلة منذ أبريل (نيسان) 2023 ليست مجرد نزاع عسكري بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، بل هي في جوهرها أزمة دولة انكشف فيها العقد الاجتماعي بكامله، وتبخرت بمعيتها القدرة على التمييز بين اعتبارات الضرورة الميدانية والتكاليف الجيوسياسية بعيدة الأمد.
في هذه الحالة من الضعف البنيوي، لجأ الجيش السوداني إلى الاستعانة بالقوى التي اعتقد أنها متاحة وجاهزة وغير مكلفة في المدى القصير. وكانت كتائب الإسلاميين وتشكيلاتهم المسلحة أكثر هذه القوى انضباطاً تنظيمياً وجاهزية قتالية في مرحلة كان الجيش يحاول ترميم بنيته التي أضرت بها أعوام من الإهمال المؤسسي في عهد البشير، ثم الفوضى المصاحبة للمرحلة الانتقالية. بيد أن هذا الاختيار جاء مُثقلاً بتاريخ لا يسهل اختزاله: فالحركة الإسلامية السودانية ليست مجرد تنظيم مسلح يمكن توظيفه ثم إقصاؤه، بل تنظيم بنى علاقات عضوية وشبكية مع إيران امتدت عقوداً، وطبعت حتى المخيلة الاستراتيجية لقادتها بصبغة تختلف جوهرياً عن منطق الدولة الوطنية.
تعود جذور هذه العلاقة إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين استقبل السودان في عهد الإنقاذ وفود الحرس الثوري الإيراني، وأتاح لها إقامة علاقات تدريبية وتسليحية مكنت طهران من توظيف الخرطوم نقطة لتوسيع نفوذها في أفريقيا جنوب الصحراء. وحتى بعد القطيعة الدبلوماسية التي أعلنها البشير عام 2016 ظل الخيط الرابط حياً على مستوى التنظيمات غير الرسمية وشبكات التواصل الأيديولوجي. وحين استأنفت الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في منتصف عام 2024، لم يكن ذلك حدثاً من العدم، بل كان إعادة إحياء لتراث ظل كامناً.
غير أن ما يستوقفنا هنا ليس وجود هذه الصلة بحد ذاتها، بل غياب أي حساب استراتيجي واضح من جانب القيادة السودانية حول تكاليف استدعائها في لحظة كانت فيها المنطقة تتهيأ لصراع وجودي بين المحورين الأميركي – الإسرائيلي من جهة وإيران ومنظومتها من جهة أخرى. فقد أضاف الجيش السوداني إلى قائمة تعقيداته متغيراً لم يكن في حاجة إليه، حين وجد نفسه بحكم التشابك الميداني مع الإسلاميين في موقع من يحسَب ضمنياً على المحور الإيراني في لحظة تعيد فيها واشنطن رسم حساباتها الإقليمية.
لفهم التصنيف الأميركي في سياقه الصحيح، لا ينبغي قراءته بوصفه قراراً معزولاً صدر استجابة لتصريح الناجي عبدالله وحده. فالتصنيف الذي أعلنته وزارة الخارجية في مارس (آذار) الجاري، بعد تصنيفات مماثلة طالت فروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان، هو في جوهره جزء من منظومة إجراءات أميركية تسعى إلى تقليص الحضور الإيراني وشبكات نفوذه على طول خط يمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا. وقد أسهمت تصريحات الناجي عبدالله في توفير الذريعة الخطابية التي جعلت هذا التصنيف يبدو منطقياً وموجباً في الفضاء الإعلامي والسياسي الأميركي، لكن القرار فيما يبدو كان معداً في فضاء استراتيجي أوسع من مجرد رد فعل على تصريح ميداني.
الإشكالية الجوهرية التي يطرحها هذا التصنيف تتعلق بتقاطع أزمتين متمايزتين: أزمة الشرعية الداخلية للجيش السوداني في مواجهة الإسلاميين كشريك قتالي، وأزمة التموضع الخارجي للسودان في خريطة الصراع الإقليمي. فمن منظور الشرعية الداخلية، يواجه البرهان معادلة مستحيلة الصياغة: فهو لا يستطيع الاستغناء عن الكتائب الإسلامية ميدانياً من دون أن يعرض المجهود الحربي لخسائر ضخمة في مواجهة قوات “الدعم السريع”، ولا يستطيع الإبقاء عليها من دون أن يتعرض لضغط متصاعد من واشنطن يهدد بتقليص حزمة الدعم الأميركي المحتمل. أما من منظور التموضع الخارجي، فإن السودان يجد نفسه في موقع المستنزَف من كل الاتجاهات وسط حسابات إقليمية تبدو معقدة، وأخرى دولية تضع شروطها قبل أي انخراط للحل على النحو الأميركي.
تكشف هذه الصورة عن تعقد موقف الجيش السوداني حين يصبح رهيناً لشروط متناقضة لا يستطيع الإفلات من قبضتها. وقد كشف مآل العلاقة مع الإسلاميين ذلك، فالإسلاميون يقدمون أنفسهم شريكاً لا غنى عنه في المجهود الحربي، بينما يتصرفون كأصحاب أجندة مستقلة على المستوى الأيديولوجي والتنظيمي. وتصريح الناجي عبدالله ليس مجرد انزلاق فردي، بل هو تعبير عن هذه الأجندة المستقلة التي لا تخضع لرقابة القيادة العسكرية حتى حين تتشابك معها ميدانياً.
يستحق الدور الإيراني في هذا المشهد قراءة دقيقة تتجاوز حدود الرواية الأميركية السائدة. فإيران لا تتعامل مع السودان باعتباره فضاء أيديولوجياً تسعى إلى نشر نموذج الثورة الإسلامية فيه، بل باعتباره ورقة جيوسياسية تحقق من خلالها جملة من المكاسب الاستراتيجية: موطئ قدم محتمل على البحر الأحمر، وتنويع لمسارات الإمداد العسكري، ومحطة في منظومة العلاقات الأفريقية التي تساعدها على كسر عزلتها الدولية. وحين نقرأ الدعم الإيراني للجيش السوداني، ينبغي أن نميز بين مستويين: مستوى التعاون العسكري المحدود والقابل للضبط نظرياً، ومستوى العلاقة العضوية التاريخية بين طهران والحركة الإسلامية السودانية، وهو مستوى يتجاوز قدرة الجيش وحتى الدولة السودانية الرسمية على التحكم فيه.
ولعل هذا الفارق هو بالضبط ما يخشاه المخططون الاستراتيجيون في واشنطن. فليس الخوف من أن الجيش السوداني سيرسل وحداته للقتال إلى جانب إيران في أي مواجهة، بل الخوف من أن الشبكات التنظيمية للإسلاميين السودانيين المتشابكة مع الحرس الثوري الإيراني ستجعل الأراضي السودانية أو الإمكانات السودانية قابلة للتوظيف لأغراض تتجاوز ما تعلنه قيادة الجيش الرسمية. وهذا القلق له مسوغاته الواقعية، لكن التصنيف لا يقدم إجابة عن هذه المخاوف بقدر ما يعقد المسار السياسي، ويضيق هامش المناورة على القوى المدنية والعسكرية المعتدلة داخل السودان.
وطبقاً لهذه المعطيات يجوز التساؤل عن إمكانية حدوث تحول حقيقي في بنية الصراع السوداني. في ضوء الأغراض الأميركية المتعلقة بحصار المنظومة الإيرانية، على حساب فرص الخروج من الأزمة السودانية؟ تميل معطيات الميدان والتاريخ السياسي السوداني إلى الإجابة بأن التأثير المباشر للتصنيف على بنية الصراع الداخلي سيكون محدوداً، بينما ستكون تداعياته على مسار المفاوضات وشروط الدعم الدولي للسودان أكثر أثراً وأبعد مدى. فالتصنيف يقيد خيارات الأطراف الراغبة في دعم الجيش السوداني علناً إذا ما استمرت له علاقات قتالية عضوية بميليشيات الإسلاميين.
في ضوء هذه المتغيرات المتشابكة، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة للمعادلة السودانية في المدى المتوسط. المسار الأول هو مسار التكيف الشكلي، وفيه يجري الجيش تعديلات هيكلية تخفي بمعيتها الطابع الاستقلالي للكتائب الإسلامية تحت مسميات رسمية تندرج اسمياً ضمن منظومة القوات المسلحة، من دون أن تغير في طبيعة الولاءات والأجندات الفعلية. وهذا المسار مرجح في المدى القصير، لأنه الأقل تكلفة، غير أنه يؤجل المشكلة بدلاً من معالجتها.
المسار الثاني هو مسار التصعيد الجيوسياسي، وفيه تفضي التطورات على خط المواجهة مع إيران إلى ضغوط متزايدة تجبر الجيش على اتخاذ مواقف أكثر حسماً إزاء علاقاته بالإسلاميين، مع ما يترتب على ذلك من هشاشة ميدانية محتملة. والمسار الثالث هو مسار الانفتاح السياسي التفاوضي، وهو الأكثر نظرية والأصعب تحقيقاً في الظروف الراهنة، إذ يتطلب تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف شروط التحالفات الداخلية وتفتح مساراً للتهدئة مع الفاعلين الدوليين. وما يعقد هذا المسار أن نجاحه مشروط بتوافر إرادة سياسية سودانية داخلية تُدرك ضرورة الفصل بين حسابات الحرب القصيرة الأمد وحسابات بناء الدولة بعيدة الأمد.
وهكذا، فإن الجيش السوداني الذي رأى في الكتائب الإسلامية شريكاً قتالياً في مواجهة قوات “الدعم السريع” لم يكن يفكر في الثمن الجيوسياسي لهذه الشراكة؛ وقد بدأ هذا الثمن يتراكم الآن في صورة تصنيفات دولية وضغوط أميركية ومعادلات إقليمية تضيق هامش الحركة بدلاً من أن توسعه. وما لم يبادر السودان إلى تجديد تعريفه الذاتي، وصياغة رؤية تتجاوز منطق الحرب إلى منطق الدولة، فسيظل يدفع أثماناً متواصلة لقرارات اتخذت في غمرة الميدان من دون أن تستحضر أُفق ما بعد الحرب.








