العائدون من جنوب السودان… رحلة نزوح لا تنتهي بين لهيب الحرب وهشاشة الدولة
تمثل قضية العائدين من جنوب السودان واحدة من أعقد الملفات الإنسانية والاجتماعية في السودان الحديث؛ فهي ليست مجرد حكاية

تقرير : ترياق نيوز


تم إرسال رسالتك
قال أمين عام اتحاد شباب العائدين عبدالولي الصديق : إن قضية العائدين من جنوب السودان تمثل واحدة من أعقد الملفات الإنسانية والاجتماعية في السودان الحديث؛ فهي ليست مجرد حكاية انتقال جغرافي عبر حدود رسمتها السياسة، بل مأساة إنسانية ممتدة تعكس هشاشة الدولة وتعقيدات الهوية وصراع البقاء في ظل الأزمات المتلاحقة.

عودة أولى بعد الانفصال… صدمة الانتماء المعلّق
مع إعلان قيام دولة جنوب السودان في يوليو 2011، وجد مئات الآلاف من السودانيين أنفسهم فجأة أمام واقع سياسي جديد أعاد تعريف المواطنة والهوية. كثيرون ممن عاشوا لسنوات طويلة في الجنوب أو كانت مصالحهم تمتد عبر الحدود الجديدة، أصبحوا بين ليلة وضحاها في وضع قانوني واجتماعي ملتبس.
دفعهم هذا التحول إلى العودة إلى الشمال أملاً في الاستقرار والاندماج، غير أن الواقع كان أكثر قسوة مما توقعوا. فقد واجه العائدون صعوبات كبيرة في استخراج الأوراق الثبوتية، والحصول على أراضٍ للسكن، والوصول إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية. وبدلاً من الاحتواء، دخل كثير منهم في دوامة جديدة من التهميش والصراعات المحلية، ليبدأ فصل آخر من المعاناة.
لجوء عكسي… حين يصبح الجنوب ملاذاً
مع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، وتوسع رقعة الاشتباكات إلى مناطق في إقليم النيل الأزرق، خاصة محلية الدالي والمزموم والمناطق المجاورة، وجد العائدون أنفسهم مجدداً في مواجهة النزوح. المفارقة القاسية أن وجهتهم هذه المرة كانت جنوب السودان، البلد الذي غادروه قبل أكثر من عقد.
غير أن التجربة الثانية حملت وجهاً مختلفاً؛ فقد لقي النازحون ترحيباً واسعاً من حكومة وشعب جنوب السودان، وتعاملوا معهم باعتبارهم أهلًا يستحقون الضيافة والدعم في محنتهم. هذا الموقف الإنساني ترك أثراً عميقاً في نفوس العائدين.
ومع استعادة القوات المسلحة السودانية السيطرة على بعض المناطق، عاد جزء من النازحين إلى قراهم، بينما فضّل آخرون البقاء في الجنوب انتظاراً لاستقرار الأوضاع. إلا أن العودة الثانية لم تكن أقل قسوة؛ فقد عادوا إلى مناطق منهكة بالحرب، بعد أن فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم، وحتى المعينات البسيطة التي كانت تسد رمقهم.
تكدس سكاني واحتقان اجتماعي
تضاعفت الأزمة بانضمام موجات جديدة من النازحين من مناطق مثل التضامن بإقليم النيل الأزرق، والذين حالت التغيرات الاجتماعية واحتقان الخطاب المجتمعي دون عودتهم إلى مناطقهم الأصلية. فتجمعوا في قرى تتبع لمحلية الدالي والمزموم مثل والترو، وويركت، وجبل أبورواق، والمجاور، وأبوعريف، وأبقرود.
اليوم، يعيش هؤلاء المواطنون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة:
نقص حاد في الغذاء والدواء
شح في المياه الصالحة للشرب
غياب المأوى الآمن
انعدام شبه كامل لسبل كسب العيش
وهي أوضاع تنذر بكارثة إنسانية إذا لم يتم التدخل العاجل لمعالجتها.
دور حكومي خجول… بين الرمزية والواقع
رغم حجم المأساة، يبرز ضعف الاستجابة الرسمية، خصوصاً من حكومة ولاية سنار التي تستضيف أعداداً كبيرة من العائدين. فقد اقتصر الحضور الحكومي على قافلة إغاثية واحدة تحركت إلى المزموم وبعض القرى المجاورة.
ورغم تثمين هذه الخطوة، إلا أن طابعها الإعلامي بدا أكبر من أثرها الإنساني، إذ لم تكن محتوياتها تكفي لتغطية احتياجات قرية واحدة، فضلاً عن عشرات التجمعات المتضررة. ويؤكد ناشطون أن المطلوب ليس مبادرات موسمية، بل خطة مستدامة تستجيب لحجم الكارثة.
رؤية اتحاد شباب العائدين… من المعاناة إلى المبادرة
في ظل هذا الواقع، طرح “اتحاد شباب العائدين” رؤية عملية لإدارة الأزمة، انطلاقاً من إيمانهم بأن الحاجة الإنسانية لا تحتمل التأجيل. وتتلخص مقترحاتهم في أربع نقاط رئيسية:
إعلان ملف العائدين أولوية قصوى على مستوى ولاية سنار، مع توفير عاجل للغذاء والدواء، خاصة الأدوية المنقذة للحياة.
تعيين مفوض عون إنساني خاص بالعائدين، نظراً لضخامة أعدادهم، وضمان توزيع عادل ومستقل للمساعدات.
إجراء إحصاء دقيق وهيكلة تنظيمية واضحة تعكس الاحتياجات الحقيقية وترتب الملفات وفق آليات شفافة.
تمكين القيادات الشبابية للعائدين لإدارة شؤونهم بأنفسهم، باعتبارهم الأقدر على فهم تعقيدات واقعهم بعيداً عن تضارب المصالح.
ويؤكد القائمون على الاتحاد أن قضية العائدين ليست ملف إغاثة عابر، بل قضية مواطنة وكرامة واختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على التماسك في وجه الأزمات.
اختبار الدولة والمجتمع
إن مأساة العائدين تكشف بوضوح أن النزوح في السودان لم يعد حدثاً طارئاً، بل حالة متكررة تعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة سياسية أو عسكرية. وبين مطرقة الانفصال وسندان الحرب، يظل العائدون يدفعون الثمن مضاعفاً.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه المأساة إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي في إدارة ملفات النزوح والمواطنة، أم تستمر دائرة النزوح في الدوران؟
في انتظار الإجابة، يواصل آلاف العائدين صراعهم اليومي من أجل البقاء… وأملهم أن تجد أصواتهم صدى قبل أن تتفاقم المأساة أكثر.













