اعمدة

دكتور . ىائد ناجي .. يكتب .. حين تُبدِّلُ القوارضُ خرائطها: قراءة في ظهور سلالات الجرذ النرويجي شمال غزة بين التحوّل البيئي وسرديات القلق !

لا يظهر التحوّل البيئي دفعة واحدة، بل يتسلل في تفاصيل صغيرة، قد تبدو هامشية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها دلالات عميقة على اختلال التوازن. ومن بين هذه العلامات، يبرز رصد ظهور سلالات

 

 

 

لا يظهر التحوّل البيئي دفعة واحدة، بل يتسلل في تفاصيل صغيرة، قد تبدو هامشية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها دلالات عميقة على اختلال التوازن. ومن بين هذه العلامات، يبرز رصد ظهور سلالات جديدة ومهجنة من الجرذ النرويجي في شمال قطاع غزة، لا بوصفه خبرا بيولوجيا عابرا، بل كاشارة مركبة، تتقاطع فيها البيئة مع السياسة، والصحة مع البنية العمرانية، والواقع مع السردية.
الجرذ النرويجي، بوصفه كائنا شديد التكيف، لا يظهر في فراغ، ولا يتحول بمعزل عن شروط محيطة تدفعه الى اعادة تشكيل سلوكه وبنيته. حين تُرصد سلالات جديدة في رقعة جغرافية محددة، مع غيابها النسبي في مناطق اخرى من القطاع، فإن ذلك يفتح باب التساؤل حول خصوصية الشمال: ما الذي تغيّر؟ وما الذي جعل هذه البيئة قابلة لاحتضان هذا التحول؟
ان اول ما يلفت النظر، هو ان التحولات البيئية القسرية، الناتجة عن الدمار العمراني، وتراكم النفايات، وتعطّل شبكات الصرف، تُنتج بيئة مثالية لتكاثر القوارض. فحين تختفي البنية المنظمة، وتنهار انظمة النظافة، يتحول الفضاء الحضري الى بيئة مفتوحة، تُعيد فيها الكائنات الدنيا ترتيب مواقعها في السلسلة البيئية. هنا، لا يكون ظهور الجرذ مجرد نتيجة، بل هو عرض لمرض اعمق، يتمثل في اختلال المنظومة ككل.
غير ان ما يُضفي على هذه الظاهرة بعدا اضافيا، هو الحديث عن “سلالات مهجنة” وسلوك مغاير. فالتهجين، سواء كان طبيعيا او نتيجة ضغوط بيئية، يُشير الى حالة من التكيف السريع، حيث تسعى الكائنات الى تطوير خصائص جديدة تُعينها على البقاء. وقد يتجلى ذلك في زيادة العدوانية، او القدرة على التسلل، او مقاومة بعض السموم. وهنا، ينتقل التهديد من كونه بيئيا فقط، الى كونه صحيا وامنيا في آن واحد.
فالجرذ النرويجي معروف تاريخيا بكونه ناقلا محتملا للامراض، من خلال الطفيليات والبكتيريا التي يحملها. ومع ظهور سلالات جديدة، تزداد صعوبة التنبؤ بسلوكها، ومدى خطورتها، خاصة في بيئة تعاني اصلا من ضغط على القطاع الصحي، ونقص في وسائل المكافحة. اننا امام معادلة خطرة: كائنات تتطور، في مقابل منظومة تتآكل.
لكن القراءة لا ينبغي ان تنزلق الى التهويل، ولا الى انتاج حالة من الذعر غير المؤسس. فجزء من خطورة مثل هذه الاخبار، يكمن في الطريقة التي تُقدَّم بها. حين تُصاغ بلغة مثيرة، دون سند علمي دقيق، قد تتحول من معلومة الى شائعة، ومن رصد الى تضخيم. وهنا، تبرز الحاجة الى خطاب علمي رصين، يُفرِّق بين المؤكد والمحتمل، ويُقدِّم المعطيات ضمن سياقها، دون تهوين او تهويل.
ومن جهة اخرى، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن البعد الاجتماعي. فانتشار القوارض، وتغير سلوكها، يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان: في المنازل، وفي الشوارع، وفي اماكن تخزين الغذاء. ومع تراجع الخدمات، يصبح الفرد في مواجهة مباشرة مع هذا التهديد، دون دعم كافٍ من مؤسسات قادرة على التدخل. وهنا، يتحول الامر من قضية بيئية الى مسألة كرامة انسانية، تتعلق بحق الانسان في بيئة نظيفة وآمنة.
ان مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة متعددة المستويات. على المستوى البيئي، لا بد من اعادة تنظيم النفايات، وتحسين الصرف الصحي، وتقليل المساحات المفتوحة التي تشكل ملاذا للقوارض. وعلى المستوى الصحي، ينبغي تعزيز برامج المراقبة، وتوفير وسائل المكافحة، وتوعية السكان بطرق الوقاية. اما على المستوى المعرفي، فالمطلوب هو انتاج معرفة دقيقة، تستند الى دراسات ميدانية، لا الى انطباعات.
وفي العمق، تكشف هذه الظاهرة عن حقيقة اوسع: ان الكائنات لا تعيش بمعزل عن سياقاتها، وان كل اختلال في توازن البيئة، يفتح المجال لتحولات غير متوقعة. الجرذ هنا ليس سوى مرآة، تعكس ما جرى في البنية التحتية، وفي نمط العيش، وفي شروط الاستقرار. ومن هنا، فإن التعامل معه بوصفه عدوا منفصلا، دون معالجة جذور المشكلة، لن يؤدي الا الى حلول مؤقتة.
ختاما، فإن رصد ظهور سلالات جديدة من الجرذ النرويجي في شمال غزة، ينبغي ان يُقرأ بعينين: عين علمية، تُحلِّل وتُفسِّر، وعين نقدية، تُدرك السياق، وتمنع الانزلاق الى التهويل. وبين هاتين العينين، يتشكل وعي قادر على تحويل القلق الى فعل، والمعلومة الى استراتيجية، والحدث العابر الى مدخل لفهم اعمق لما يجري في طبقات الواقع الخفية.
د.رائد ناجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى