ود عبيد الله .. يكتب .. عودة إلى القرية… حين يسبق الحنينُ الخطى وتخذلها المدن
عاد إلى قريته بعد غيابٍ طويل، عودةٌ لم تكن احتفالًا بقدر ما كانت مواجهةً صامتة مع الذاكرة. تدحرج من بصٍّ متعب عند مدخل القرية

عاد إلى قريته بعد غيابٍ طويل، عودةٌ لم تكن احتفالًا بقدر ما كانت مواجهةً صامتة مع الذاكرة. تدحرج من بصٍّ متعب عند مدخل القرية، يحمل حقيبةً صغيرة وكيسًا مثقلًا بهزائم المدن؛ مدنٌ استنزفت روحه ثم لفظته متهالكًا يجرّ خطاه كما يجرّ المقاتل جراحه بعد معركة خاسرة.
لم يكن التعرف على البيوت صعبًا، فكل شبر من الطريق محفور في الذاكرة. أول ما استوقفه منزل الحاجة سرورة، المرأة التي كانت تنبض حكمةً ويتدفق منها الحنين. تغيّر البناء، لكن جدار الطين ظلّ محتفظًا برائحة الأوّلين وعبق ذكراهم. كانت البيوت قديمًا ضيقة، لكن النفوس واسعة، تسع الجميع. اليوم اتسعت البيوت وضاقت القلوب، وفقد الحنين مكانه.
تجاوره بيوت غابت عنها أرواحها، منها بيت عمنا عثمان سعيد، الرجل الصامت الحكيم، الذي إن تكلّم وضع النقاط على الحروف. برحيل أمثال هؤلاء، تفقد الأرض توازنها، وتفقد البيوت دفئها، وترحل الحكمة والصبر الجميل.
وأمام جامع البريقعاب، حيث اعتاد الناس الصلاة والسمر، بدت الحياة أقل صخبًا وأكثر برودة. هنا كان الملاذ للمعاشيين ومن لفظتهم المدن القاسية. في أحد الأيام، وقف ود أم الخير بعد الصلاة يدعو بصوتٍ مبحوح: “اللهم ارفع عنا البلاء والغلاء… والعرب”. دعاء أثار الدهشة، قبل أن تكشف الحكايات القديمة عن نزاعاتٍ وتحوّلات غيّرت شكل التعايش، خاصة بعد انفجار التنقيب عن الذهب، حين تبدلت الأحوال وانقلبت الموازين.
رحل ود أم الخير كما عاش، تاركًا فراغًا يشبه انحسار النيل بعد الفيضان؛ طميًا وبداية حياة، لكن أيضًا صمتًا ثقيلًا. انقلعت أوتاد الأرض، وخيّم السكون، وصارت البيوت توحي برائحة الغياب في كل ركن.
في القرية اليوم، بيوتٌ فارغة تصفّر فيها الريح، وأخرى تتدلى من جدرانها مكيفات هواء تبرد الجو لكنها تُخرج دفء الألفة من النوافذ. فاض المال، لكن الأرقام لم تُشبع الروح. خرج الأبناء من عباءة الآباء، واستقلت القوة الاقتصادية، وتطاولت شجرة العقوق. هيبة الآباء التي كانت تختصر الكلام في نظرة، تراجعت أمام حوارات باردة لا تشبه الأمس.
يسلّمك الناس بحرارة، وتسألك عجوز: “طوّلت الغيبة… كنت وين؟” سؤال بسيط، لكن إجابته أعقد من أن تُقال. كيف يُحكى عن مدينة تستهلك العظام وتمتص زهرة الأيام ثم تلقي بأبنائها على عناقريب الجامع؟
القرية اليوم في منزلة بين منزلتين؛ ليست مدينة بضجيجها، ولا قرية بصفائها القديم. جيلٌ جديد يولد في هذا “اللا مكان”، يبحث عن هوية وحلم وسط تحولاتٍ متسارعة.
تبقى الذاكرة ممتلئة بالتفاصيل، حنينًا يتقدّم الخبر، وشهادةً على قريةٍ تتغير، وعلى إنسانٍ عاد إليها ليكتشف أن الغياب لا يُقاس بالسنوات، بل بما تغيّر في النفوس.












