تقارير

ماذا تعرف عن ونستون تشرشل.. القائد الذي واجه الحرب بالكلمة والسلاح ولم يذق شعبه طعم التشرد والنزوح ولا وطنه التمزيق ؟! ..

 

 

 

يُعدّ ونستون تشرشل (1874–1965) واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في التاريخ الحديث، وأكثر القادة إثارة للجدل والتقدير في القرن العشرين. ارتبط اسمه بصورة خاصة بالحرب العالمية الثانية، حين تولى رئاسة الوزراء البريطانية عام 1940 في واحدة من أخطر اللحظات التي مرت بها بريطانيا وأوروبا، وقاد بلاده في مواجهة ألمانيا النازية، رافضًا الاستسلام أو الدخول في تسوية سياسية مع هتلر.

لم يكن تشرشل سياسيًا تقليديًا؛ فقد كان ضابطًا في الجيش، ومراسلًا حربيًا، وكاتبًا، ومؤرخًا، وخطيبًا بارعًا. وخلال حياته الطويلة خاض تجارب عسكرية وسياسية عديدة، بعضها انتهى بالانتصار وبعضها ترك ندوبًا سياسية وعسكرية عميقة.

البدايات العسكرية والمعارك

التحق تشرشل بالكلية العسكرية الملكية في ساندهيرست، ثم خدم ضابطًا في الجيش البريطاني. وخاض خلال شبابه عددًا من الحملات العسكرية في مناطق مختلفة من الإمبراطورية البريطانية.

شارك في حملة الهند، ثم خدم في السودان وشارك في معركة أم درمان عام 1898 ضمن القوات البريطانية المصرية التي قادها اللورد كتشنر ضد قوات الدولة المهدية. وقد وثّق تجربته في السودان لاحقًا في كتابه الشهير حرب النهر.

كما شارك في حرب البوير في جنوب أفريقيا، وهناك تعرض للأسر وتمكن من الهرب، وهي حادثة أسهمت في زيادة شهرته داخل بريطانيا ومهدت الطريق أمام دخوله الحياة السياسية.

وفي الحرب العالمية الأولى، تولى تشرشل منصب اللورد الأول للأميرالية، وكان من أبرز المسؤولين عن التخطيط للحملة البحرية البريطانية. إلا أن اسمه ارتبط أيضًا ارتباطًا مباشرًا بفشل حملة جاليبولي والدردنيل عام 1915، وهي كارثة عسكرية أدت إلى خسائر كبيرة للحلفاء، وأجبرته على الاستقالة من منصبه.

تشرشل والحرب العالمية الثانية

بلغ تشرشل ذروة تأثيره السياسي عندما أصبح رئيسًا لوزراء بريطانيا في مايو 1940، في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا النازية تتقدم بسرعة في أوروبا، وسقطت دول أوروبية عدة أمام الجيش الألماني.

كان موقفه واضحًا: لا استسلام ولا تفاوض مع هتلر تحت التهديد العسكري.

وخلال معركة بريطانيا عام 1940، أصبح تشرشل رمزًا للمقاومة البريطانية، مستفيدًا من خطاب سياسي وإعلامي قوي رفع معنويات البريطانيين في مواجهة القصف الألماني.

ومن أشهر خطاباته قوله:

«سنقاتل في فرنسا، سنقاتل في البحار والمحيطات، سنقاتل بثقة متزايدة وقوة متنامية في الجو، وسندافع عن جزيرتنا مهما كانت التكلفة.»

وفي خطاب آخر، قال عبارته الشهيرة:

«لن أعدكم إلا بالدم والكدح والدموع والعرق.»

ثم جاءت كلماته التي أصبحت من أشهر عبارات الصمود في التاريخ:

«هذه ليست النهاية. إنها ليست حتى بداية النهاية. لكنها، ربما، نهاية البداية.»

التحالف مع روزفلت وستالين

أدرك تشرشل أن بريطانيا وحدها ستواجه صعوبة كبيرة في هزيمة ألمانيا، ولذلك عمل على بناء تحالف دولي واسع.

وطوّر علاقة وثيقة مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، كما دخل في تحالف عسكري وسياسي مع الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام 1941.

وأصبح تشرشل، إلى جانب روزفلت وستالين، أحد أقطاب التحالف الذي قاد الحرب ضد دول المحور، وصولًا إلى هزيمة ألمانيا النازية عام 1945.

تشرشل بين البطولة والجدل

رغم صورته باعتباره أحد أعظم قادة الحرب في القرن العشرين، فإن تشرشل ليس شخصية تاريخية متفقًا عليها بالكامل.

فقد كان مؤيدًا قويًا للإمبراطورية البريطانية، ودافع عن استمرارها في وقت كانت فيه حركات التحرر والاستقلال تتصاعد في آسيا وأفريقيا. كما أثارت بعض مواقفه تجاه الشعوب المستعمَرة، ومن بينها موقفه من الهند، انتقادات واسعة.

كذلك ظل فشل حملة جاليبولي نقطة سوداء في سجله العسكري، رغم أن مسيرته اللاحقة، خصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، جعلته أحد أبرز رموز القيادة في زمن الأزمات.

أشهر أقوال تشرشل

من أشهر العبارات المنسوبة إلى تشرشل أو الواردة في خطاباته وكتاباته:

«إذا كنت تمر عبر الجحيم، فواصل السير.»

«النجاح ليس نهائيًا، والفشل ليس قاتلًا؛ الشجاعة لمواصلة الطريق هي ما يهم.»

«لا تستسلم أبدًا، أبدًا، أبدًا.»

«الشجاعة هي ما يلزم للوقوف والتحدث، والشجاعة أيضًا ما يلزم للجلوس والاستماع.»

وتظل عبارته الأشهر في مواجهة النازية تختصر فلسفته في الحرب:

«لن نستسلم أو نفشل.»

إرث تشرشل

توفي ونستون تشرشل عام 1965 عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد مسيرة امتدت بين ساحات القتال ومقاعد البرلمان ومكاتب رئاسة الوزراء.

وبغض النظر عن الجدل الكبير حول سياساته الاستعمارية ومواقفه في عدد من القضايا، فإن مكانته كقائد في زمن الحرب تظل راسخة؛ فقد استطاع، في واحدة من أكثر لحظات أوروبا ظلامًا، أن يحوّل الخطاب السياسي إلى أداة للمقاومة، وأن يجعل من الصمود وعدم الاستسلام عنوانًا لمرحلة كاملة من التاريخ.

ولهذا بقي تشرشل حتى اليوم نموذجًا للقيادة في الأزمات، وفي الوقت نفسه شخصية تاريخية تستدعي قراءة نقدية لا تكتفي بصورة «البطل»، بل تضع إنجازاته العسكرية والسياسية إلى جانب أخطائه ومواقفه المثيرة للجدل. 

 

سجل التاريخ بأن ونستون تشرشل واحد من أعظم القادة العسكريين الشجعان  لكنه لم يسجل له بأن وجه أفواه البنادق لشعبه أو خاض حرب أهلية مزقت بلاده ، بل كل حروبه ومواقفه لتبقى بريطانيا الدولة العظمى ليعيش شعبه كنموذج الشعوب المتحضرة والمتقدمة في جو من الحرية والسلام ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى