عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. قضية “رشان” ظلم الشاكي والمشكو ضدها !
بالتأكيد، القضية المثارة المتعلقة بسجن الزميلة رشان أوشي واحدة من تداعيات هذه الحرب القذرة التي تجاوزت القتل والتشريد إلى الأذى المستمر، ألا وهو ضرب تماسك المجتمع، خاصة وسط فئاته المستنيرة، وعلى رأسها المجتمع الصحفي. وأبلغ مثال على ذلك قضية الزميلة

بالتأكيد، القضية المثارة المتعلقة بسجن الزميلة رشان أوشي واحدة من تداعيات هذه الحرب القذرة التي تجاوزت القتل والتشريد إلى الأذى المستمر، ألا وهو ضرب تماسك المجتمع، خاصة وسط فئاته المستنيرة، وعلى رأسها المجتمع الصحفي. وأبلغ مثال على ذلك قضية الزميلة رشان، حيث انقسم المجتمع الصحفي نحوها، وهذه طبيعة البشر، لكن في الوسط الصحفي الحالة مختلفة، لأن قضاياهم تتنزل على المجتمع مباشرة.
فمجرد صدور الحكم ظهر تمايز الصفوف بين مؤيد ومعارض، بمعنى أن مجرد نشر القرار، بالرغم من أنه خبر يستحق النشر، يبدو وكأنه شماتة أو تشفٍ ضد المحكوم عليها، أو فرح وتضامن مع المحكوم لصالحه. لكن، ما إن تهدأ العاصفة حتى يبدأ الجميع في البحث عن التفاصيل والحيثيات ومن يقف وراء ذلك، ثم تتأرجح الصفوف بين مع وضد. ولذلك، في هذه الزاوية سنحاول نقل الصورة كما هي، ونعبر عن قناعتنا الخاصة، وبالتأكيد لا نعبر عن جميع المواقف.
على المستوى الشخصي، تزاملنا فترة مع الزميلة رشان في صحيفة الوطن، كما التقينا كثيراً في الفضاء العام. وملاحظتي فيها أنها شغوفة بمهنة الصحافة إلى حد التهور، ومندفعة نحو التميز، الأمر الذي يجعلها تقفز على قناعاتها مثل كرة تنس الطاولة، فتشتعل غضباً لأتفه الأسباب، ويمكن أن تهدم بنيانها في لحظة إذا بلغ الغضب تمامه. وفي الوقت نفسه، فهي ودودة وحنونة، وتعفو وتصفح بسرعة حتى إذا وُضع على عنقها الحسام. عصامية بنت نفسها بنفسها، وإن كانت هنالك أخطاء ، فهذا ما يراه كل شخص من زاويته، لكنها عصامية إذا كان تعريف العصامية بناء الذات بالذات.
أما موقفها من الحرب، فأراها مثلي من الرافضين للحرب بسردياتها القميئة، أنها في صف القتلة والمجرمين والداعمين لاستمرارها والنافخين لكيرها. وكل الإعلام الداعم لأمراء الحرب في كل الأطراف يتحمل وزر معاناة شعبنا وظلمنا إلى يوم الدين. بل أنا على يقين بأن أهل الصحافة والإعلام الذين يصطفون مع أمراء الحرب هم أول من يدفع الثمن، وما جرى لرشان مجرد “بروفة”، وهذه البروفة لا تتجسد في حد ذاتها، بل في التخلي عن رشان في أقرب ملف. بل سيقدم أهل الإعلام قرباناً لمصالحات الذين كانوا يتقاتلون في الميدان.
وبالمناسبة، رشان ليست أول واحدة يتخلى عنها هؤلاء المستفيدون من الحرب، بل هناك الكثير من داعمي هذه الحرب؛ منهم من تم حبسه، ومنهم من حُظر من السفر، ومنهم من حُرم من استحقاقات حظي بها رصفاؤه في “البلبسة”.
لكن هنا تتجلى المواقف الحقيقية؛ لحظة الحقيقة هي اللحظة التي تسقط فيها الرغائب الخاصة وتتجلى فيها الحقيقة، مثلما يحدث تجاه رشان، حيث وجدت التضامن من كل صحفي يعرف قواعد المهنة وحدود الزمالة، لأن المساس بجانبها المهني مساس بجميع الصحفيات والصحفيين، بل إن ما جرى لها مهدد للمهنة في ذات نفسها.
والسؤال: هل رشان بريئة؟
الإجابة: في هذه الجزئية لا، لأن القضاء توصل إلى إدانتها.
هل القضاء مخطئ؟
أكيد لا، لأنه وُضع أمام القاضي الموقر قانون جرائم المعلوماتية، وطُلب منه تطبيقه. وهذا القانون المعيب الذي نرفضه ويرفضه كل الشرفاء في الصحافة ظللنا نناهضه منذ عهد الإنقاذ، رغم أن زملاءنا الداعمين للحرب يريدون تطبيقه على زملائهم الذين يقفون ضد الحرب، لكنهم أول من تجرع كأس السم الذي شاركوا في صنعه.
ولكن حتى تتفكك هذه “الغلوطية”، تعالوا نسمع القصة الكاملة لهذه القضية، التي أعتبر أن الظلم وقع فيها على الشاكي الضابط عبدالمطلب، وعلى المشكو ضدها والمحكوم عليها حالياً الزميلة رشان، فك الله أسرها.
بدأت القصة، على ذمة الراوي، حين سرب مسؤولون نافذون للزميلة رشان معلومات خطيرة تتحدث عن فساد “متلتل” للضابط عبدالمطلب، الذي كان يشغل نائب مدير قسم الجوازات بسفارة السودان بالقاهرة. الزميلة رشان نشرت تفاصيل هذا الفساد بصورة مثيرة وبتفاصيل مملة “تقنع الديك بأنه صحيح”، خاصة أنها تحدثت عن فساد مالي وإداري بالأرقام.
وبناءً عليه، تفاعل مسؤول في قمة السلطة مع هذا النشر، وأصدر قراراً بفصل الضابط عبدالمطلب من منصبه، ووقع عليه ضرر بالغ؛ فقد عبدالمطلب منصبه وسمعته، بل وتأثرت أسرته لدرجة أن ابنته تركت الجامعة بسبب تداعيات هذا الفصل التعسفي.
مسؤول آخر في الوزارة التي ينتمي إليها الضابط عبدالمطلب شكّل لجنة تحقيق، وبالفعل قامت بتحقيق دقيق في السفارة، ولم تجد ما يثبت على عبدالمطلب أي شبهة فساد، وبناءً عليه رفع توصيته بأن يُرفع الظلم عن عبدالمطلب وإرجاعه إلى موقعه. فقال المسؤول الكبير إن إرجاعه صعب لأن القضية أصبحت قضية رأي عام بسبب النشر، ولكن يمكنه أن يكتب استرحاماً وتتم معالجة قضيته في موقع آخر.
لا أدري كيف انتهت هذه الجزئية، لكن الضابط عبدالمطلب لجأ إلى القضاء تجاه من كان السبب المباشر في فصله، وهي الزميلة رشان. وعندما وقفت أمام القاضي، لم تستطع إثبات التهم التي وجهتها للضابط عبدالمطلب، وما كان على القاضي إلا تطبيق قانون المعلوماتية المعيب، بمواد النشر الكاذب والإضرار بالسمعة، فحكم عليها بالسجن لمدة عام والغرامة عشرة ملايين جنيه، وفي حالة عدم السداد السجن ستة أشهر تسري بالتتابع.
هذا الحكم، نعم، استرد للضابط جزءاً من خسائره الفادحة، خاصة تبرئة ذمته من الفساد وإشانة السمعة، لكن الشرخ النفسي سيظل يلاحقه، وكذلك خسارة موقعه الوظيفي. وأعتقد أنه من حقه، بعد هذا الحكم، أن يتجه للقضاء الإداري لإلزام صاحب قرار فصله بإلغائه واسترداد كافة حقوقه في الفترة التي توقف فيها.
فلذلك لا يزال الظلم واقعاً عليه، وكذلك الظلم ما زال واقعاً على رشان من الذين دبروا هذه المكيدة، وأوقعوا بزميلهم، وكذلك قدموا الزميلة رشان قرباناً لخبثهم ومكائدهم. وإذا كان المسؤول الذي فصل الضابط جاداً في الإصلاح، فيجب أن يتتبع هذه الشبكة ويأخذوا جزاءهم، ويسترد حق هذا الضابط حتى يكونوا عظة لغيرهم، وإلا فعليهم تقديم ما يثبت ما سربوه لرشان.
أما رشان، نعم أخطأت، لكنها غلطة الشاطر، إذ وقعت في خطأ الثقة في هؤلاء المسؤولين الذين سربوا لها المعلومات دون تمليكها مستندات تحميها من القانون. وهذا يؤكد أنهم لم يسربوا هذه المعلومات بغرض الإصلاح ومحاربة الفساد، بل من أجل مصالحهم الشخصية والذاتية، لأن كشف أي فساد للمصلحة العامة بالتأكيد تكون معه مستندات.
ولذلك، فإن الظلم الذي وقع على رشان جاء من نفسها أولاً، ثم من الذين ضحت من أجلهم، لأنها اعتقدت أنها لا تستطيع أن تقول “قال لي فلان”، أو تعلن ذلك، لأنها حتى ولو كشفت عنهم فلن تستطيع إثبات ذلك، خاصة وأن هؤلاء “كار بوليس” يعرفون كيف يحصنون أنفسهم من المساءلة القانونية. لكن يجب عليهم أن يتذكروا الحي الذي لا يموت، وأن الديان لا ينسى، وكما تدين تدان.
أما رشان، فابتلاؤها بالسجن في هذه المرحلة أعتقد أنه ليس كله شراً، ولعلها فرصة تقف فيها مع نفسها وتراجع مواقفها، بألا توالي ظالماً مهما طالت عمامته، وأن الوقوف مع الحق دفع ثمنه المحرومون حتى من دخول وطنهم، والرافضون لقتل أهلهم، وليس الذين توفرت لهم الحمايات وبُذلت لهم العطايا، لأن هذه الدنيا نعيمها زائل، وتبقى السمعة الطيبة وكلمة الحق.
ورغم ما حدث، نتعشم في حل لهذه القضية نحسب أن مكاسبها أكبر لكل الأطراف، وأن تأتي المبادرة من الضابط عبدالمطلب بعد أن أنصفه القضاء، مع احترام قراره. ولكن نتمنى أن يكون العوض عن ذلك اعتذاراً شجاعاً من الزميلة رشان وبمحض إرادتها ، خاصة إذا كان الهدف هو المصلحة العامة، ولا أعتقد أن لها كيداً شخصياً مع هذا الضابط، فالرجوع إلى الحق فضيلة وليس ضعفاً. أما المواجهة الحقيقية، فيجب أن تكون ضد النافذين المحصنين بهذه السلطة الزائلة لا محالة، وستكون وقعتهم أشد وطأة من رشان.
اللهم أحقق الحق بقدرتك، فإنهم أرونا قدرتهم فينا.








