الدكتور . رائد ناجي .. يكتب .. حين تتشابه القواميس: هل الصدى بريء أم أن الصوت واحد؟
السؤال عن “براءة” التطابق بين خطاب التيار المدخلي وبعض مفردات الخطاب الإعلامي الذي يمثله أفيخاي أدرعي ليس سؤالًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤالٌ بنيوي. لأن البراءة هنا لا تُقاس بالنيات، بل بطريقة تشكّل اللغة نفسها: كيف تتولد المصطلحات، ولماذا تتكرر، ومن يحدد حدودها؟

السؤال عن “براءة” التطابق بين خطاب التيار المدخلي وبعض مفردات الخطاب الإعلامي الذي يمثله أفيخاي أدرعي ليس سؤالًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤالٌ بنيوي. لأن البراءة هنا لا تُقاس بالنيات، بل بطريقة تشكّل اللغة نفسها: كيف تتولد المصطلحات، ولماذا تتكرر، ومن يحدد حدودها؟
إذا تأملنا هذا التشابه، سنجد أنه لا يحتاج بالضرورة إلى “تنسيق” مباشر حتى يحدث. هناك ما هو أعمق: بنية خطابية تقوم على التبسيط، على تحويل الواقع المعقد إلى ثنائيات حادة (طاعة/فتنة، أمن/فوضى)، وعلى إنتاج عدوٍّ لغوي جاهز يمكن تسويقه بسهولة. هذه البنية، حين تستقر في الذهن، تصبح قابلة لإعادة الإنتاج في سياقات مختلفة، حتى لو اختلفت المرجعيات.
بمعنى آخر، التطابق قد يكون “غير مقصود”، لكنه ليس “بريئًا” بالكامل. لأنه يكشف عن خضوع الطرفين—كلٌ بطريقته—لنفس آلية التفكير: آلية تُفضّل الاختزال على التعقيد، والتصنيف على الفهم، والإقصاء على الحوار. حين يستخدم خطاب ديني مصطلحات تُقصي الخصم من دائرة الشرعية، ويستخدم خطاب سياسي/عسكري المصطلحات نفسها بوظيفة مشابهة، فنحن أمام منطق واحد يُعيد إنتاج ذاته، لا مجرد صدفة لغوية.
الأمر يشبه عدستين مختلفتين، لكنهما مصنعتان وفق نفس القالب. كلتاهما ستنتجان صورة متشابهة، حتى لو وُجّهتا إلى مشاهد مختلفة. وهنا يكمن الخطر: لأن التشابه لا يعود مجرد مسألة أسلوب، بل يتحول إلى إعادة تشكيل للوعي الجمعي. المتلقي، دون أن يدري، يبدأ في رؤية العالم من خلال نفس القاموس، نفس التقسيمات، نفس الأحكام المسبقة.
لكن هل يمكن أن يكون هذا التطابق ناتجًا عن شيء آخر؟ نعم، هناك عوامل أخرى: مثل الكسل المعرفي، أو الاعتماد على قوالب جاهزة أثبتت “فعاليتها” في التأثير على الجمهور، أو حتى الرغبة في تبسيط الرسائل لتكون أكثر انتشارًا. هذه العوامل تجعل من السهل أن تتشابه الخطابات دون وجود علاقة مباشرة بينها.
مع ذلك، المشكلة لا تكمن في “من اقتبس من من”، بل في أن هذه المصطلحات—بحد ذاتها—تحمل رؤية للعالم. حين نقول “فتنة” أو “إرهاب” أو “خارج عن الصف”، نحن لا نصف فقط، بل نحكم ونُقصي ونُعيد ترتيب الواقع وفق تصور معين. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن نستخدم اللغة، أم أن اللغة هي التي تستخدمنا؟
إذًا، التطابق ليس بريئًا تمامًا، حتى لو كان غير متعمد. لأنه يعكس أزمة أعمق: أزمة في إنتاج المفاهيم، وفي الجرأة على كسر القوالب الجاهزة. والخروج من هذه الأزمة لا يكون باتهام النوايا، بل بإعادة التفكير في اللغة نفسها: تفكيكها، مساءلتها، وإعادة بنائها على أساس يُفسح المجال للتعقيد بدل أن يختزله.
حينها فقط، يمكن أن نميز بين خطابٍ يُفكر، وخطابٍ يكتفي بتكرار ما قيل—حتى لو بدا، ظاهريًا، أنه يقول شيئًا مختلفًا.





