عبدالباقي جبارة يكتب: “فزع الحروف”.. امتحانات الشهادة السودانية وفضائح الملاحق الثقافية!
امتحان الشهادة السودانية، المؤهل لدخول الجامعات، كان حتى وقت قريب يمثل واحدًا من ممسكات الوحدة الوطنية، وهو موسم لانصهار مكونات الشعب السوداني بمختلف سحناتهم، وهو الوحيد الذي كان

امتحان الشهادة السودانية، المؤهل لدخول الجامعات، كان حتى وقت قريب يمثل واحدًا من ممسكات الوحدة الوطنية، وهو موسم لانصهار مكونات الشعب السوداني بمختلف سحناتهم، وهو الوحيد الذي كان الجميع ينتبه لدقات ساعة انطلاقته. فجاءت حرب 15 أبريل ومزّقت أوصال البلاد والعباد، وعبث الواهمون بترف السلطة بمقدرات هذا الشعب باستخدام أقذر الوسائل، فقط ليشبعوا رغباتهم الدنيئة ويحافظوا على مجدهم الزائف، ابتداءً من القتل على الهوية وتفشي خطاب الكراهية.
لتأتي امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026م كمسمار أخير في نعش وحدتنا الوطنية، سواء عبر استهداف الطلاب بالمسيرات في غربنا الحبيب، أو التمييز الجهوي المتعمد لحكومة الأمر الواقع. فغاب صوت الحكمة، ومورس تغبيش الوعي، ليتم تصوير هذه الامتحانات بأي شكل كان كأنه إعجاز لعباقرة آخر الزمان.
ليتم حرمان 280 ألف طالب وطالبة بإقليم دارفور ، والحكم على مستقبلهم بالضياع، ليس بسبب ذنب جنوه، سوى الجغرافيا التي أوجدتهم في رقعة، وإن خرجت عن سيطرة الحكومة بقوة السلاح، فإنها لم تخرج أخلاقيًا من مسؤولية أيٍّ من يتصدى لتنفيذ مشروع مثل امتحانات الشهادة السودانية.
ولعل المكر السيئ دائمًا يحيق بأهله، فقد وقعت الجهات المنوط بها تنفيذ امتحانات هذا العام في أخطاء ترقى لدرجة الفضائح العابرة للحدود. وهنا، في هذه المساحة، نود تقديم نموذجين اثنين لحالة الارتباك لهؤلاء المسؤولين الذين سيلاحقهم العار طيلة حياتهم، وسيُورَّث لأجيالهم، وستلاحقهم لعنات كل طالب حُرم من بناء مستقبله، وكل أسرة ضاع جهدها هباءً منثورًا.
الحادثة الأولى: قبيل انطلاق هذه الامتحانات الجارية، خرج الملحق الثقافي بسفارة جمهورية السودان بمصر عاصم أحمد حسن في فيديو متداول على الوسائط، ولا ندري إن كان ما أراد قوله إنجازًا يريد التباهي به، أم أراد إيصال صوت لوم للبلد المضيف، حيث قال، فيما قال: إن هناك طلابًا داخل السجون المصرية ستُوفَّر لهم أماكن يجلسون فيها للامتحانات. ولم يوضح عدد الطلاب، ولا أسباب سجنهم. وبالتأكيد، مع كامل الاحترام للدولة المضيفة وقوانينها، فإن هذا الملحق قد فتح بابًا للإساءة للبلد المضيف، لأنه كان عليه على الأقل أن يوضح أسباب حبس هؤلاء الطلاب. لأنهم، إذا كانوا موقوفين في قضايا أمام المؤسسات العدلية، فلا يحق لكائن من كان التحدث في ذلك. أما إذا كان وضعهم أنهم شملتهم حملات تنظيم الوجود الأجنبي في جمهورية مصر العربية، فكان الأولى لهذا الملحق وسفيره توفيق أوضاع هؤلاء الطلاب قبل وقت كافٍ من الامتحانات . وأكيد سيجدون الاستجابة من السلطات المصرية التي تمنح استثناءات للسودانيين المتواجدين بسبب ظروف الحرب. لكن السكرتير الثقافي عاصم لم يتكرم حتى الآن بتوضيح حديثه المبهم، فأي دبلوماسية هذه؟!
أما المصيبة الأخرى، فهي البيان الذي صدر من قنصلية السودان في دبي، قبيل انطلاق امتحانات الشهادة السودانية بأيام قليلة، والذي يشير إلى تأجيل الامتحانات للطلاب بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأشار بوضوح إلى أن سبب التأجيل هو أن الدولة المضيفة لديها إعلان مسبق بتعليق الدراسة حضوريًا حتى 17 أبريل. وكأن هذه القنصلية علمت بهذا القرار بعد ظهور أرقام الجلوس!
وبحق، إنها فضيحة دبلوماسية، لأن القاصي والداني يعلم الظروف التي جعلت جميع دول الخليج، إن لم يكن كل دول الشرق الأوسط، تعلّق كثيرًا من الأنشطة بسبب حرب إيران. لكن نفس وسائل الإعلام التي تصفق لاستمرار الحرب، وتسرق لسان وزارة الخارجية، وتسيء للدول، ربطت هذا الإعلان بحديث فجّ لا يدخل العقل، وهي تردد أن الإمارات استهدفت الطلاب السودانيين وحرمتهم من امتحانات الشهادة، وتكرار نفس المنوال: الدويلة والاستهداف وغير ذلك.
وبالتأكيد، هذه اتهامات لا تستحق الرد عندما تأتي في سياق غير معقول. ونقول لهؤلاء: عادي أن تعادي كما تريد، لكن ليس بطريقة تطلق فيها الرصاص على رجليك، فأنت بذلك تصبح فاقدًا للأهلية وفاقدًا للأخلاق، وبعد ذلك لا يُعتدّ لك بحديث، سواء كان اتهامات للإمارات أو إساءة لدولة قدرها أن يكون فيها سودانيون، وقدرهم أن يُحكموا بهذا العبث.
لكن هذه الأجيال التي عانت منكم، بتدمير مستقبلها، هي التي ستقتلعكم غير مأسوفٍ عليكم بإذن الله .



