اعمدة

دكتور . رائد ناجي .. يكتب .. السودان على فوهة التمزق: حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع الإرادات الإقليمية

لم يعد السودان، في لحظته الراهنة، مجرد دولة تعاني من اضطرابات داخلية عابرة، بل أضحى عقدة متشابكة في شبكة الصراعات الإقليمية، حيث تتقاطع المصالح، وتتزاحم المشاريع، وتتصادم الإرادات على أرض

 

 

 

لم يعد السودان، في لحظته الراهنة، مجرد دولة تعاني من اضطرابات داخلية عابرة، بل أضحى عقدة متشابكة في شبكة الصراعات الإقليمية، حيث تتقاطع المصالح، وتتزاحم المشاريع، وتتصادم الإرادات على أرض أنهكها التاريخ القريب، واستنزفها الحاضر المضطرب. إن ما يجري في السودان ليس انفجارا مفاجئا، بل هو تراكم بطيء لتناقضات بنيوية، غذتها أطراف داخلية، واستثمرتها قوى إقليمية تبحث عن موطئ قدم في جغرافيا استراتيجية تتوسط القارة وتطل على ممرات حيوية.
في قلب هذا المشهد، يتجلى الصراع بوصفه أكثر من مجرد تنازع على السلطة بين مكونات عسكرية أو سياسية؛ إنه صراع على تعريف الدولة ذاتها: هل تكون دولة مركزية موحدة، أم فسيفساء من مناطق النفوذ المتناحرة؟ هذا السؤال، وإن بدا داخليا في ظاهره، إلا أنه في حقيقته مفتوح على رهانات خارجية، حيث تسعى قوى إقليمية إلى تشكيل الإجابة بما يخدم مصالحها، لا بما يستجيب لإرادة الشعب السوداني.
لقد تحول السودان إلى ساحة اختبار لمعادلات النفوذ الجديدة في الإقليم. فمع تراجع أنماط الهيمنة التقليدية، وصعود فاعلين جدد، باتت الدول المحيطة تنظر إلى السودان لا كجار فحسب، بل كامتداد استراتيجي يمكن من خلاله تأمين المصالح الاقتصادية، أو تحقيق التوازنات الأمنية، أو حتى تصدير الأزمات الداخلية. وهنا، تتداخل خطوط الدعم، وتتشابك قنوات التمويل، وتتشكل تحالفات غير معلنة، تجعل من الصراع السوداني مرآة تعكس تناقضات الإقليم بأسره.
ولعل أخطر ما في هذا التداخل الإقليمي، أنه يعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدا. فبدل أن يتجه نحو الحل، يصبح النزاع أكثر قابلية للاستمرار، لأن كل طرف داخلي يجد في الخارج سندا يعزز موقعه، ويغريه بالمضي قدما في التصعيد. وهكذا، يتحول ميزان القوة من معادلة وطنية يمكن التفاوض حولها، إلى معادلة إقليمية مفتوحة على احتمالات لا يمكن التحكم فيها.
إن الاقتصاد، في هذا السياق، يلعب دورا خفيا لكنه حاسم. فالسودان، بما يملكه من موارد طبيعية هائلة، من أراض زراعية خصبة، إلى ثروات معدنية، يمثل هدفا مغريا لمشاريع الاستثمار والنفوذ. غير أن هذه الموارد، بدل أن تكون رافعة للاستقرار، تحولت إلى وقود للصراع، حيث تتنافس القوى المختلفة على السيطرة عليها، أو على الأقل ضمان نصيب منها في أي ترتيبات مستقبلية. وهنا، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية، لتشكل شبكة معقدة من الدوافع التي تغذي النزاع.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي، فالسودان يحتل موقعا حساسا على البحر الأحمر، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده. هذا الموقع يجعله جزءا من معادلات الأمن الإقليمي، ويضعه في قلب تنافس دولي وإقليمي على السيطرة على الممرات البحرية، وتأمين خطوط التجارة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الاستقرار في السودان ليس مطلبا داخليا فقط، بل ضرورة إقليمية، وإن كانت هذه الضرورة تُفهم بطرق متباينة، بل ومتناقضة أحيانا.
غير أن المأساة الكبرى، في خضم هذه الحسابات، تبقى إنسانية بامتياز. فالشعب السوداني، الذي وجد نفسه محاصرا بين مطرقة الصراع الداخلي وسندان التدخلات الخارجية، يدفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره وكرامته. إن المدن التي كانت تعج بالحياة، تحولت إلى ساحات قتال، والبيوت التي كانت ملاذا آمنا، أصبحت نقاط تماس، والآمال التي كانت معلقة على مستقبل أفضل، تراجعت أمام واقع يفرض البقاء أولوية على الحلم.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد السوداني لا ينبغي أن تنزلق إلى حتمية التشاؤم. فالتاريخ يعلمنا أن الصراعات، مهما بلغت حدتها، تظل قابلة للتفكيك، إذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية، ورؤية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة. غير أن هذه الإرادة، في الحالة السودانية، لن تكون كافية ما لم تقترن بإعادة ضبط العلاقة مع الإقليم، بحيث تنتقل من منطق التبعية أو التوظيف، إلى منطق الندية والتوازن.
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق حاسم: إما أن يظل ساحة لصراع الآخرين، وإما أن يستعيد زمام المبادرة، ويعيد تعريف موقعه في الإقليم بوصفه فاعلا لا مفعولا به. وهذا الخيار، وإن بدا صعبا، إلا أنه ليس مستحيلا، إذا ما أدركت النخب السودانية أن معركتها الحقيقية ليست فقط على السلطة، بل على معنى الدولة، وعلى حق الشعب في أن يكون سيد مصيره.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحا: هل يستطيع السودان أن يخرج من دائرة الصراع الإقليمي، أم أنه سيظل أسيرا لها؟ الإجابة، في جوهرها، ليست قدرا مكتوبا، بل مسارا يصنعه الفعل الإنساني، حين يتحرر من قيود المصالح الضيقة، ويرتقي إلى أفق المسؤولية التاريخية.
د.رائد ناجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى