اعمدة

دكتور . رائد ناجي .. يكتب .. سوريا في عهد “الشرع”: إعادة تدوير الخطاب أم ولادة معنى جديد؟

إن سوريا اليوم، في ظل ما يُتداول عن “حكومة الشرع”، لا تعيش فقط تحولا سياسيا، بل إعادة تركيب لغوي عميق. فالمسألة لم تعد صراعا على السلطة فحسب، بل صراعا على تعريف الشرعية ذاتها: من يملك

 

 

 

إن سوريا اليوم، في ظل ما يُتداول عن “حكومة الشرع”، لا تعيش فقط تحولا سياسيا، بل إعادة تركيب لغوي عميق. فالمسألة لم تعد صراعا على السلطة فحسب، بل صراعا على تعريف الشرعية ذاتها: من يملك حق الكلام باسم “الشرع”؟ ومن يحدد معناه؟ هنا، تتحول الكلمة من مرجعية دينية إلى أداة سياسية، ومن نص ثابت إلى خطاب متحرك.
“الشرع” في هذا السياق ليس مفهوما بريئا. إنه كلمة كثيفة، محمّلة بتاريخ طويل من التأويلات. وحين تُستدعى إلى المجال السياسي، فإنها تُحدث قطيعة مع اللغة السابقة، لكنها في الوقت نفسه تعيد إنتاج آلياتها. فكما كان خطاب بشار الأسد يقوم على ثنائية “الدولة/الإرهاب”، فإن خطاب “الشرع” يؤسس لثنائية جديدة: “الشرعي/المنحرف”. هنا، لا يُقصى الخصم سياسيا فقط، بل يُعاد تعريفه أخلاقيا ودينيا.
الجملة في هذا الخطاب تحمل سلطة مزدوجة: سلطة السياسة وسلطة المقدس. وحين تجتمع السلطتان، يصبح الاعتراض أكثر كلفة، لا لأنه معارضة لرأي، بل لأنه يُقدَّم كخروج عن “الصواب”. هذه النقلة تجعل اللغة أكثر حدّة، وأقل قابلية للنقاش. فبدل أن تكون السياسة مجالا للاختلاف، تتحول إلى ساحة للفرز القيمي.
سوسيو سياسيا، يعيد هذا الخطاب تشكيل المجتمع على أساس الانتماء إلى “الشرعية” الجديدة. “نحن” هنا ليست فقط جماعة سياسية، بل جماعة مؤمنة بالتصور المطروح. أما “هم”، فهم ليسوا فقط خصوما، بل يُقدَّمون كتهديد للنظام القيمي. وهكذا، تتجدد ثنائية “نحن/هم”، لكن بلباس ديني هذه المرة، ما يمنحها عمقا إضافيا، ويجعل تفكيكها أكثر تعقيدا.
غير أن هذه البنية تحمل تناقضا داخليا. فـ“الشرع”، بوصفه مفهوما، يقوم على التعدد في التفسير، وعلى تاريخ من الاجتهادات. لكن حين يُختزل في خطاب سياسي واحد، يفقد هذه المرونة، ويتحول إلى أداة إقصاء. هنا، يظهر التوتر بين “الشرع” كمرجعية مفتوحة، و“الشرع” كأداة سلطة مغلقة.
سيكولوجيا، يخلق هذا الخطاب حالة مزدوجة لدى الفرد. من جهة، يمنحه شعورا باليقين، بالانتماء إلى منظومة واضحة المعالم. ومن جهة أخرى، يفرض عليه ضغطا مستمرا للامتثال. الخوف هنا ليس فقط من العقوبة، بل من التصنيف: أن يُدرج ضمن “المنحرفين”. هذا القلق يعيد تشكيل السلوك، ويجعل اللغة اليومية نفسها خاضعة للرقابة الذاتية.
إعلاميا، يتم تقديم “حكومة الشرع” بوصفها قطيعة مع الفوضى، وبداية لمرحلة “النظام”. المفردات المستخدمة تركز على “الإصلاح”، “التطهير”، “العودة إلى الأصول”. لكنها في الوقت ذاته تُخفي أسئلة جوهرية: أي أصول؟ وأي تفسير؟ ومن يملك حق تحديدها؟ الإعلام هنا لا ينقل فقط، بل يساهم في تثبيت إطار معين للفهم، يجعل من الصعب تخيل بدائل.
أما على المستوى الدولي، فإن هذا التحول يُقرأ بعيون مختلفة. بعض الفاعلين يرونه فرصة لإعادة الاستقرار، بينما يراه آخرون انتقالا من نموذج سلطوي إلى آخر، أكثر تعقيدا. حضور قوى مثل روسيا أو الولايات المتحدة أو تركيا لا يختفي، بل يُعاد تأطيره ضمن الخطاب الجديد. كل طرف يحاول قراءة “الشرع” بما يخدم مصالحه، ما يجعل الكلمة نفسها ساحة صراع دولي.
إن أخطر ما في هذه المرحلة هو احتمال تحول “الشرع” إلى شعار شامل، يختزل التعقيد السوري في مفهوم واحد. فحين تُختصر السياسة في كلمة، تُفقد القدرة على رؤية التفاصيل. سوريا، بكل تنوعها، لا يمكن احتواؤها في تعريف واحد، مهما بدا شاملا.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا الخطاب يحمل أيضا وعدا ضمنيا: وعد بإعادة المعنى، بإيجاد مرجعية بعد سنوات من التشظي. لكن هذا الوعد يبقى معلقا على كيفية إدارة الاختلاف. هل سيكون “الشرع” إطارا يستوعب التعدد، أم أداة لإلغائه؟
في النهاية، نحن أمام لحظة لغوية بقدر ما هي سياسية. “حكومة الشرع” ليست فقط تغييرا في البنية، بل في القاموس. والسؤال الحقيقي ليس فقط من يحكم، بل كيف يُعرَّف الحكم، وبأي لغة. ففي سوريا، كما يبدو، لا يُصنع الواقع بالسلاح وحده، بل بالكلمات التي تبرره، وتعيد تشكيله، وتمنحه اسمه الجديد.
د.رائد ناجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى