أشرف عبدالعزيز .. يكتب .. مذكرة المعلمين للقصر الجمهوري واحتجاز الكوادر بين عجز سلطة الأمر الواقع والتصعيد النقابي الشامل

تأتي خطوة تسليم لجنة المعلمين السودانيين لمذكرة مطالبها اليوم إلى القصر الجمهوري كدليل ساحق على عمق الأزمة المعيشية والمهنية التي تعصف بأهم قطاعات الدولة الخدمية. فقد جاء تحرك الوفد النقابي باتجاه مقر الحكم التنفيذي عقب مجريات تصعيدية متواصلة وسلسلة من الإضرابات التي شلت المدارس والمؤسسات التعليمية في عدة ولايات، وذلك بعد تنصل سلطة الأمر الواقع عن تعهداتها الصريحة بتعديل الهيكل الراتبي وصرف المستحقات مع بداية أغسطس الماضي.
إن نقل المعركة المطالبية مباشرة إلى أروقة القصر الجمهوري يمثل تجاوزاً صريحاً للمؤسسات الوزارية والولائية التي أثبتت عجزها وفشلها المباشر في معالجة الملف، ليضع المعلمون السلطة أمام مسؤولياتها المباشرة بعد أن استنفدت كل محاولات التخدير والمماطلة التسويفية.
تتجلى أزمة التعليم في السودان في تعامل «سلطة الأمر الواقع» مع ملف المعلمين والأجور، حيث تفضح الممارسات الحكومية نهجاً قائماً على التهميش والتقصير الفاضح تجاه حماة العلم وصناع الأجيال. ففي الوقت الذي تدعي فيه السلطة حرصها على استمرار مؤسسات الدولة، يواجه المعلم السوداني ظروفاً مأساوية من انهيار القيمة الشرائية للرواتب وتأخر صرف المتأخرات، إلى جانب الإهمال الكامل لإنفاذ التفاهمات المالية السابقة. وبدلاً من أن تتجه هذه السلطة لمعالجة الجذور الحقيقية للأزمة والاستجابة للمطالب العادلة، اختارت أسلوب التجاهل الإداري وتصديق القمع الأمني، مما يعكس غياب أي رؤية استراتيجية لدعم التعليم أو صون كرامة العاملين فيه.
ولا تتوقف تعقيدات المشهد عند حدود التقصير المالي والمماطلة الإدارية، بل تتعداها إلى الاستهداف الأمني للعمل النقابي الشريف، والذي يظهر جلياً في قصة الأستاذ علي الزبير المحتجز في سجن الأبيض بشمال كردفان.
إن تغييب الأستاذ الزبير خلف الأسوار لم يأتِ إلا لجهوده الجريئة ومطالبته المشروعة بحقوق زملائه وتطبيق تعديلات الهيكل الراتبي المستحقة. إن لجوء السلطة لأجهزتها الأمنية للرد على المطالب المطلبية والخدمية بالاعتقال والملاحقة هو دليل ضعف وتخبط يُكذب كافة الادعاءات الرسمية حول احترام سيادة القانون، ويؤكد أن القمع بات الأداة الوحيدة لمواجهة الصوت النقابي الملتزم بقضايا أفراده.
تكتسب المذكرة التي سلمتها لجنة المعلمين اليوم رمزية استراتيجية مرحلية، لا سيما مع الموقف الصارم والواعي الذي اتخذته اللجنة عبر منشورها المقتضب على منصة فيسبوك دون الإفصاح عن التفاصيل الكاملة.
هذا التكتم النقابي المخطط يحمل في طياته رسالة إنذار صامتة ومباشرة، مفادها أن الكرة باتت بالكامل في ملعب القصر الجمهوري، وأن المهلة الممنوحة لرد السلطة ستكون حاسمة. إن استمرار سلطة الأمر الواقع في نهجها الحالي القائم على التنصل من التعهدات والقمع الأمني لن يزيد الشارع النقابي إلا إصراراً، وسيدفع المعلمين نحو خيارات تصعيدية أشد وقوة تتجاوز الإضرابات الجزئية إلى الشلل التام، ما لم تُستجب المطالب فوراً ويُطلق سراح المعتقلين وفي مقدمتهم الأستاذ علي الزبير.













