بروفسور . علي رباح .. يكتب .. هل تفقد الجامعة ما نجا من الحرب؟ … الأساتذة والطلاب والسمعة والبنية التحتية الهشة !


في الثالث من شهر يونيو لسنة 2026 اصدر رئيس المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي (وزير التعليم العالي والبحث العلمي) القرار رقم 83 لسنة 2026. اسم القرار هو “عودة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي لمقارها”. فحوى القرار هو العمل من داخل المقار الاصلية وتجفيف العمل في كل المراكز خارج المقار الاصلية في او قبل الاول من اغسطس 2026 . القرار ينطوي على بعدٍ سياسيٍّ من وجهة نظر الدولة لتطبيع الحياة في العاصمة الخرطوم ، ولكنه يتسم بـ عدم الواقعية التنفيذية بالنظر إلى المعطيات اللوجستية للأساتذة والطلاب وإعادة الاعمار فضلا عن القيد الزمني الضيق . وكان الخيار الأنسب والأكثر ملاءمة هو إقرار خطة انتقال تدريجي على مدار عام دراسي على الاقل، تُربط فيها العودة بجاهزية البنية التحتية واستقرار الخدمات.
تتطلع الأسرة الجامعية بجميع مكوناتها إلى العودة الفاعلة إلى مقراتها الأصلية، واستعادة الحياة الأكاديمية داخل حرم الجامعة. وتتطلع ايضاً أن تتم عمليات إعادة الإعمار وفق معايير الاستدامة ومبدأ “البناء على نحو أفضل” (Build Back Better – BBB)، استناداً إلى توصيات المنظمات الدولية الرائدة مثل البنك الدولي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. بيد أن المعطيات الواقعية تؤكد أن آثار الحرب لم تقف عند حد الدمار المادي للبنية التحتية، بل امتدت لتستهدف رأس المال البشري المتمثل في الأستاذ والطالب على حدٍّ سواء.
1. الاساتذة: كغيرهم من أبناء الشعب السوداني، توزعوا قسريا بين النزوح الداخلي واللجوء. اشار تقرير اللجنة التسييرية لنقابة اساتذة جامعة الخرطوم بتاريخ 19 يونيو 2026م الى ان 71% من الاساتذة خارج السودان. ورغم هذا الشتات، استمر الأداء الأكاديمي وتم تخريج نحو ثلاث دفعات خلال الثلاث سنوات السابقة. أن قرار العودة الى المقار الاصلية بمهلة قصيرة (شهرين) اصطدم بواقع تمثل في عدم قدرة نسبة كبيرة من الاساتذة للعودة الفورية لدوافع اقتصادية واسرية وغيرهما. قرار العودة الفورية سيفقد الجامعة نسبة مقدرة من الاساتذة سواء كان بالفصل من الخدمة او الاستقالة او حتي الاجازات القانونية الممتدة . ولتلافي هذه الصدمة الأكاديمية، اقترحت الهيئة النقابية لاساتذة ج الخرطوم في تقريرها بتاريخ الاول من سبتمبر 2026 اعتماد العودة التدريجية وتطبيق “التعليم المدمج” وفق ضوابط عالمية . القرار رقم 83 المشار اليه ترك للجامعات خيار نمط التدريس داخل مقارها الاصلية. الجدير بالذكر ان المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي في دورة الانعقاد رقم 31 في الفترة 7-8 ابريل 2021 اقر الضوابط الاكاديمية والادارية للتعليم الالكتروني وايضا في عام 2022 تبنت الجامعة التعليم الالكتروني كاسناد للعملية التعليمية لازالة تراكم الدفع الذي نتج بسبب اغلاق الجامعة رسمياً اثناء ثورة ديسمبر 2018 وجائحة الكرونا 2019، مما يجعل مقترح الاساتذة خياراً مشروعاً. فقدان الاساتذة يترتب عليه تدني جودة البرامج الأكاديمية وربما فقدان الاعتماد والاعتراف الدولي لبعض البرامج الاكاديمية مثل كلية الطب (هي الكلية الوحيدة في الجامعة وربما السودان التي لديها إعتماد عالمي) والتصنيف العالمي للجامعة ، المحصلة النهائية ربما تدني سمعة الجامعة التي نجت من الحرب.
2. الطلاب: وفق
التقاريرالصادرة من الروابط الطلابية على سبيل المثال ان تقرير رابطة طلاب كلية الطب حول الجاهزية الاكاديمية للطلاب لاستئناف الدراسة بتاريخ 10 أغسطس 2026 اشار الى أن حوالي 42% من طلاب الكلية مقيمين خارج السودان. ويشير خطاب الجمعية الهندسية التسييرية الموجه للسيد عميد كلية الهندسة بتاريخ 5 ابريل 2026 الى ان أكثر من 50% من الطلاب يقيمون خارج السودان. تتفق مقترحات الطلاب مع رؤية الأساتذة في اعتماد نموذج “التعليم المدمج” كجسر عبور آمن يمنع التسرب ويحافظ على رأس المال البشري للجامعة الذي نجا من الحرب.
3. البنية التحتية: تُعدّ جامعة الخرطوم، وفقاً لتصنيف وزارة المالية، ثاني أكبر مؤسسات الدولة من حيث قيمة الأصول والملكيات الثابتة بعد مشروع الجزيرة؛ ومن ثمّ فإن أي أضرار لحقت بها تمثل خسارة قومية فادحة تتناسب مع حجم أصولها الضخمة. فقد تعرضت الجامعة لدمار واسع شمل نسبة كبيرة من مساكن الأساتذة (بحي المطار وبري وغيرهما)، وقاعاتها التعليمية وعلى رأسها قاعة الامتحانات الكبرى، إلى جانب المختبرات، والمستشفيات الجامعية، والبنية التحتية للتقنية والاتصالات، ومتاحفها، ومزارعها وحتى بيئتها الطبيعية وأشجارها العتيقة. إن تشغيل هذه البنية الهشة دون إخضاع المنشآت لفحوصات واختبارات هندسية دقيقة للتأكد من سلامتها الإنشائية يضع سلامة الطلاب والمنسوبين على المحك، ويُهدد بفقدان ما نجا من أصول الجامعة حال الضغط عليها. كما أن إعادة الإعمار بمعزل عن المعايير العالمية للاستدامة ومبدأ “البناء على نحو أفضل . تُعد تفويتاً لفرصة التحديث المؤسسي. ونظراً لأن حجم الخسائر يتجاوز القدرة المالية الذاتية للجامعة، يبرز التحدي في كيفية توفير التمويل اللازم دون إرهاق الميزانية الأكاديمية؛ وهو ما يتطلب تبني نموذج تمويلي وتنفيذي مرن يضمن مشاركة الدولة، واستقطاب الدعم الدولي، والمبادرات المقدرة التي أطلقها خريجو الجامعة، لتكون نموذجاً يُبنى عليه في تطبيق معايير الاستدامة ومبدأ البناء على نحو أفضل.













