اقتصاد

محمد مراد بدر .. يكتب .. احتضار سعر الجنيه السوداني في غرفة الإنعاش .. هل هناك بصيص أمل بعد تجاوز مرحلة الـ Hyperinflation؟

يعيش الجنيه السوداني في الوقت الراهن واحدة من أعقد وأخطر أزماته التاريخية والهيكلية، حيث تجاوزت معدلات التضخم كافة الحدود الاقتصادية المتعارف عليها لتستقر عميقاً في مرحلة التضخم

 

مقدمة عامة : 

 

 

    يعيش الجنيه السوداني في الوقت الراهن واحدة من أعقد وأخطر أزماته التاريخية والهيكلية، حيث تجاوزت معدلات التضخم كافة الحدود الاقتصادية المتعارف عليها لتستقر عميقاً في مرحلة التضخم الجامح (Hyperinflation). لقد تحول سعر صرف العملة الوطنية إلى حالة أشبه بـ “غرفة إنعاش” طبية حرجة، تتطلب تدخلات جراحية عاجلة ومكثفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إن هذه الأزمة المتفاقمة ليست مجرد انعكاس عابر لخلل مالي مؤقت أو نقص في النقد الأجنبي، بل هي نتاج تداخل معقد ومزمن بين السياسات الاقتصادية الفاشلة المتراكمة عبر العقود، وتداعيات الحرب الطاحنة المستمرة، والعزلة السياسية والاقتصادية الخانقة التي يعيشها السودان على الصعيدين الإقليمي والدولي.

*الأسباب الاقتصادية للانهيار*
تتعدد الأبعاد الاقتصادية التي تضافرت معاً لتؤدي إلى هذا التدهور التاريخي، ويمكن رصد أبرزها في النقاط التالية:

*فقدان الثقة النقدية التام:*
انهارت الثقة الشعبية والمؤسسية في العملة الوطنية نتيجة التوسع غير المنضبط في طباعة النقود بواسطة البنك المركزي لتمويل العجز الحكومي المتزايد (التمويل بالعجز)، مما أدى إلى سيولة نقدية ضخمة بلا غطاء إنتاجي.

*تراجع وإنتاج محلّي شبه منعدم:* يعاني الاقتصاد السوداني من اعتماد شبه كلي على الواردات لتلبية الاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع شلل كامل أصاب القطاعات الإنتاجية الحقيقية وعلى رأسها القطاع الزراعي الذي يمثل عصب الاقتصاد، والقطاع الصناعي المتهالك.

*انهيار الاحتياطي الأجنبي:*
شهدت خزائن البنك المركزي نضوباً حاداً في تدفقات النقد الأجنبي، نتيجة لتوقف صادرات النفط وتراجع عائدات الذهب بسبب انتشار التهريب والاضطرابات الأمنية والعقوبات المفروضة.

**تشوهات وتغول السوق الموازي:* سيطرت شبكات السوق السوداء والموازي بشكل شبه كامل على حركة النقد الأجنبي وتحديد أسعار الصرف، مما جعل السعر الرسمي الصادر عن المصارف الحكومية مجرد أرقام حبر على ورق بلا أي قيمة فعلية في المعاملات اليومية.

> *مؤشر خطير:* تجاوز التضخم الجامح في السودان للمعدلات القياسية يعني أن العملة فقدت وظيفتها الأساسية كمخزن للقيمة، وتحولت إلى أداة تسرع من وتيرة إفقار المجتمع.

*الأسباب السياسية والحربية*
لا يمكن فصل تدهور الجنيه عن المشهد السياسي والأمني المعقد، حيث أدت العوامل التالية إلى تسريع وتيرة السقوط:

*الحرب الداخلية المدمرة:*
أدى النزاع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023 إلى تعطيل كامل لسلاسل الإمداد والتوريد، ونزوح ملايين المواطنين داخلياً وخارجياً، فضلاً عن التدمير الممنهج للبنية التحتية والمؤسسات المالية والمصرفية وتوقف الجباية الضريبية.

*غياب الاستقرار وتعدد مراكز السلطة:*
أفرز الوضع السياسي المتأزم تعدداً في مراكز اتخاذ القرار وفشلاً ذريعاً للمؤسسات الرسمية في فرض وتطبيق سياسات نقدية أو مالية موحدة تسري على كافة أرجاء البلاد.

*العزلة الدولية والجمود الدبلوماسي:* تسبب ضعف العلاقات السياسية مع المؤسسات المالية العالمية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) في حرمان السودان من برامج الدعم الطارئ، القروض الميسرة، أو الاستفادة الحقيقية من مبادرات إعفاء الديون الدولية الواسعة مثل (HIPC).

*الآثار الاجتماعية والإنسانية المترتبة*
إن الانهيار الاقتصادي المتسارع ليس مجرد أرقام جافة تُسجل في الميزانيات أو التقارير الدورية، بل هو واقع مرير وقاسٍ يمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوداني بشكل مباشر، ويمكن تفصيل هذه الآثار في المحاور التالية:

**تآكل القوة الشرائية بشكل حاد:*
أدى الارتفاع الجنوني واليومي في أسعار السلع والخدمات إلى فقدان المواطن السوداني القدرة على تلبية أدنى احتياجاته المعيشية. وأصبحت الأسر عاجزة عن توفير المتطلبات الغذائية الأساسية والخدمات الطبية الضرورية، مما هدد الأمن الغذائي والصحي للمجتمع بشكل غير مسبوق.

*اتساع رقعة الفقر وتفاقم البطالة:* نتيجة للشلل الإجمالي الذي أصاب القطاعات الإنتاجية، وإغلاق المصانع، وهروب الشركات والاستثمارات، تفشت البطالة القسرية بين فئات الشباب والخريجين. هذا التوقف الكامل لعجلة الإنتاج أدى إلى انضمام ملايين المواطنين إلى دائرة الفقر المدقع، وتحول الغالبية العظمى من الشعب إلى الاعتماد على المساعدات أو الاقتصاد الهامشي.

**نزيف العقول ورأس المال الفكرى (Brain Drain):*
تسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في هجرة جماعية ومستمرة للكفاءات الوطنية والخبرات المؤهلة؛ من أطباء، ومهندسين، وأكاديميين، ومعلمين. وتزامن هذا النزيف البشري مع هروب رؤوس الأموال الوطنية للاستثمار في بيئات خارجية أكثر أماناً، مما أفرغ البلاد من أهم مقوماتها ومواردها اللازمة لأي عملية تعافٍ أو نهوض اقتصادي مستقبلي.

*بروتوكول علاجي إسعافي (خطة إنعاش الاقتصاد)*
للخروج من غرفة الإنعاش وتفادي الموت السريري للاقتصاد، يجب تبني حزمة إنقاذ متكاملة وفورية تتضمن المحاور التالية:

*1. إصلاح نقدي وهيكلي عاجل*
الوقف الفوري لآلية التمويل بالعجز وكبح جماح طباعة النقود دون إنتاج حقيقي يقابلها. كما يجب العمل على توحيد سعر الصرف عبر آلية مرنة تضمن ردم الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وإعادة الاعتبار للمصارف الرسمية.

*2. إدارة الدين العام والتعاون الدولي*
إعادة تفعيل قنوات التواصل الدبلوماسي والاقتصادي للدخول في مفاوضات جادة لإعادة هيكلة الديون الخارجية الفلكية، والسعي الحثيث للاستفادة من مبادرات الإعفاء الدولية شريطة تحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني.

*3. تحفيز الإنتاج المحلي والقطاعات الحقيقية*
توجيه الدعم المباشر والمتبقي نحو القطاع الزراعي التقليدي والحديث، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي توفر السلع البديلة للاستيراد، مع إنشاء مناطق صناعية آمنة مرتبطة بالموارد المحلية المتوفرة.

*4. جذب النقد الأجنبي وتحويلات المغتربين*
صياغة حوافز تشجيعية حقيقية (مثل إعفاءات جمركية أو ميزات استثمارية) لتشجيع ملايين المغتربين السودانيين على تحويل مدخراتهم عبر القنوات المصرفية الرسمية بدلاً من السوق الموازي، وفتح نافذة استثمارية شفافة لحماية تلك الأموال.

*5. الإصلاح السياسي والأمني (حجر الأساس)*
إن كل ما سبق يظل رهناً بالخطوة المحورية والأساسية: الوقف الفوري للحرب والوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة، تتيح بناء مؤسسات اقتصادية مستقلة، قوية، وخاضعة للمساءلة والحوكمة.

*خاتمة وبصيص الأمل*
في الختام، يمكن القول إن الجنيه السوداني يمر اليوم بمرحلة “احتضار” حقيقية داخل غرف الرعاية المكثفة للاقتصاد. ومع ذلك، فإن بصيص الأمل في النجاة والتعافي لا يزال قائماً وممكناً، ولكنه مشروط بالإرادة السياسية الصادقة والتطبيق الصارم لبروتوكول علاجي وإسعافي شامل يزاوج بين الإصلاح النقدي الشجاع، إعادة هيكلة الديون، والإنعاش الإنتاجي، مدعوماً باستقرار أمني وسياسي عاجل.

وبدون هذا التوجه المتكامل، سيستمر الاقتصاد في دائرته المفرغة من الانهيار، وسيبقى المواطن السوداني البسيط هو الضحية الأكبر والوحيدة لهذه المأساة الطويلة.

محمد مراد بدر

الثلاثاء ٢٣ يونيو ٢٠٢٦م
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى