السودان.. مسيّرات في السماء والجوع على الأرض.. مئات القتلى وتدمير الكهرباء خلال أكتوبر
يروي محمد إبراهيم (اسم مستعار) قائلاً: صبيحة أمس الاثنين، 26 أكتوبر، استبشرنا خيرا ونحن نرى رتلاً من شاحنات الإغاثة يدخل المنطقة، وبلغ عددها نحو ثماني شاحنات ذات سعات كبيرة، وبالتأكيد ستسهم في الحد من الجوع الذي يضرب مئات

تقرير: عبدالباقي جبارة
يروي محمد إبراهيم (اسم مستعار) قائلاً:
صبيحة أمس الاثنين، 26 أكتوبر، استبشرنا خيرا ونحن نرى رتلاً من شاحنات الإغاثة يدخل المنطقة، وبلغ عددها نحو ثماني شاحنات ذات سعات كبيرة، وبالتأكيد ستسهم في الحد من الجوع الذي يضرب مئات الأسر التي فقدت حتى خشاش الأرض الذي كانت تقتات منه، وهو حال معظم سكان محلية الدبب بولاية غرب كردفان.
ولكن هيهات لنا ! فقد تعذّر علينا حتى الوصول إلى الشاحنات أو الاقتراب منها، بسبب تحليق عدد من المسيّرات في أجواء المنطقة. وهو بالفعل خطر محدق، لا محالة، خاصة أن صور أشلاء نحو 130 ضحية ما زالت تتراى أمامنا، وأن دماءهم لم تجف بعد، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من الجرحى قد يلحق بعضهم بهم. ولا تتوفر وسيلة إسعاف، إلى جانب أن الطرق أصبحت غير آمنة، لأن حركة أي مركبة باتت هدفاً للمسيّرات التي يطلقها الجيش السوداني، بحسب ما يُقال إن المنطقة تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وتشير معلومات الأهالي إلى أن مسار قدوم المسيّرات يأتي من اتجاه الفولة وبابنوسة، وهو اتجاه تمركز قوات الجيش السوداني.
ويواصل محمد قائلاً:
كان الضحايا الـ130 يتأهبون لمغادرة المنطقة بعد أن حاصرهم الجوع، وحاولوا استغلال شاحنة تُعرف محلياً باسم «الجامبو»، فكانت قنابل المسيّرات أسرع من أمانيهم، وتحولت معظم أحياء المنطقة إلى مآتم. وكان من بين الضحايا أربعون شخصاً ينتمون إلى أسرة واحدة تُعرف باسم «أولاد حماد»، فيما ينتسب سبعون آخرون إلى جد واحد، باعتبار أن المنطقة تمثل نسيجاً مجتمعياً واحداً. ولذلك، وخوفاً من تكرار المأساة، رفض الأهالي الاقتراب من شاحنات الإغاثة، ما أدى إلى تعذّر توزيعها حتى نهاية يوم أمس الاثنين.
يُذكر أنه في اليوم نفسه الذي سقط فيه ضحايا محلية الدبب، وقعت مأساة أخرى في سوق النعام، أو سوق «ميت» بلغة سكان جنوب السودان، وهي منطقة تتبع لأبيي المتنازع عليها، حيث قصفت مسيّرة يُرجّح أنها تتبع للجيش السوداني السوق، ما أسفر، وفقاً للتقديرات الواردة، عن مقتل نحو 87 شخصاً، إلى جانب عدد من الجرحى، رغم أن المنطقة تقع تحت مظلة الحماية الدولية بموجب ترتيبات الأمم المتحدة، ويُحظر فيها السلاح.
ويقع سوق النعام على بُعد نحو عشرين كيلومتراً شمال مدينة أبيي، فيما تفصله عن محلية الدبب مسافة تستغرق نحو أربع ساعات بالسيارة باتجاه الشمال .
ورغم أن بعض وسائل الإعلام الموالية للجيش السوداني أكدت وقوع الحادثة، وذكرت أن سوق النعام يمثل هدفاً عسكرياً مشروعاً، باعتباره أحد خطوط إمداد المواد البترولية والغذائية التي تستفيد منها قوات الدعم السريع، فإن وزارة الخارجية السودانية سارعت، بعد تداول معلومات عبر وسائل إعلام محايدة تفيد بأن المنطقة تقع تحت الحماية الدولية، إلى إصدار بيان نفت فيه صلة الجيش السوداني بحادثة المسيّرات في سوق النعام، أو سوق «ميت»، واتهمت في المقابل قوات الدعم السريع بارتكاب الحادثة.
من جهة أخرى، أفاد سكان محليون بأنه لم تكن هناك أي مظاهر عسكرية في محلية الدبب أو سوق النعام لحظة استهدافهما بالمسيّرات، مؤكدين أن جميع الضحايا كانوا من المدنيين.
ويُذكر أنه في اليوم نفسه الذي قُصف فيه سوق النعام، استهدفت عدة مسيّرات مطار الخرطوم الدولي، كما أصابت إحداها منزل أسرة بحي امتداد ناصر، شرق المطار، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أطفال تقل أعمارهم عن عشر سنوات، وامرأة جارة للأسرة.
وخلال الأسبوع الثاني من أكتوبر الجاري، سقط أكثر من عشرين قتيلاً في أحد أحياء مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، جراء هجوم بمسيّرة أطلقها الجيش السوداني.
من جهتها أعلنت قوات الدعم السريع اليوم الثلاثاء مقتل 102 مدني وإصابة 113 آخرين، في حصيلة أولية لقصف بطائرة مسيّرة استهدف سوق تنقونج بحي دوماية في مدينة نيالا، مساء الاثنين 26 أكتوبر 2026.
وقال رئيس دائرة الإعلام بقوات الدعم السريع، المقدم الطيب خليل، إن المسيّرة تتبع للجيش السوداني، متهماً إياه باستهداف الأسواق والتسبب في سقوط ضحايا وسط المدنيين، بمن فيهم النساء وكبار السن والتجار.
وأضاف خليل أن الهجمات تطال المنشآت الخدمية ومصادر أرزاق المواطنين، وتشكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين ومقومات حياتهم اليومية.
معركة الجو.. واستهداف محطات الكهرباء
تواصلت المعارك الجوية في السودان، رغم انحسار المعارك الحربية على الأرض، عبر استخدام سلاح المسيّرات. وشهد فجر أمس الاثنين هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت خمس محطات كهرباء في عدد من الولايات، في تطور جديد يضع منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في دائرة الاستهداف، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية.
وبحسب المعلومات الواردة، وقعت الهجمات قبيل الفجر، واستهدفت محطات كهرباء في ولايات الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض، وفقاً لما نُسب إلى بيان للجيش السوداني.
وأدت الهجمات، بحسب التقارير المتداولة، إلى انقطاع واسع للتيار الكهربائي في مناطق عدة بشرق السودان، وسط مخاوف من انعكاسات استمرار استهداف منشآت الطاقة على الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والمرافق الصحية والأنشطة الاقتصادية.
وفي تطور متصل، نقلت المعلومات الواردة عن مصدر عسكري قوله إن الطائرات المسيّرة التي نفذت الهجمات انطلقت من الأراضي الإثيوبية لاستهداف المحطات الخمس. ولم يتسنَّ، استناداً إلى المعلومات المتاحة، التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء أو تحديد الجهة المسؤولة عن إطلاق الطائرات.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الهجمات التي تطال البنية التحتية المدنية في السودان، وما قد يترتب عليها من تعطيل للخدمات الحيوية، لا سيما في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان جراء استمرار الحرب.
وتكتسب سلامة منشآت الكهرباء أهمية خاصة، نظراً لارتباطها المباشر بإمدادات المياه وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية واستمرار الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل استهدافها مصدراً لمخاطر إضافية على المدنيين.
وفي السياق ذاته، تبرز الدعوات الأممية إلى حماية البنية التحتية المدنية وتجنب تعريض السكان لمزيد من الأضرار، مع التشديد على ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والمنشآت التي يعتمدون عليها.
غير أن مصادر محايدة أكدت أن المسيّرات التي استهدفت محطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش كانت تُطلقها قوات الدعم السريع. ويأتي ذلك فضلاً عن تصريحات قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، الذي ظهر في مقطع فيديو مسجل، مخاطباً عدداً من القادة من حوله، ومؤكداً أنه لا يوجد أي اتجاه للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وأن المعركة مستمرة، مضيفاً أن أنصاره سيسمعون أخباراً سارة قريباً، ومبشراً بالانتصارات المتوقعة.
المرخيات تدخل دائرة الاستهداف.. والخرطوم في الظلام
لم يستفق المواطنون من الضربات المتلاحقة التي شُنّت بالطائرات المسيّرة أمس وأمس الأول، حتى فوجئوا بهجمات عنيفة شنتها مسيّرات على محطة كهرباء المرخيات التحويلية، فجر اليوم الثلاثاء، 27 أكتوبر الجاري، الأمر الذي أدخل محليات ولاية الخرطوم السبع وجزءاً من ولاية الجزيرة في ظلام تام بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
وبالطبع، فإن الوضع على الأرض أصبح أكثر تعقيداً بكثير مما يمكن أن تعكسه التقارير الصحفية، خاصة أن الأوضاع تزداد سوءاً ساعة بعد أخرى، بسبب تردي الوضع الاقتصادي، حيث يواصل الجنيه السوداني انهياره على مدار الساعة، إلى جانب ندرة السلع الغذائية.
ولا سيما أن معظم المخابز بولاية الخرطوم أغلقت أبوابها، بحسب شهادات سكان محليين، فضلاً عن استمرار تدمير البنية التحتية من أطراف القتال، إلى جانب الانفلات الأمني الذي يتهدد حركة المواطنين.
ويحدث ذلك في مقابل صمت دولي مطبق، باستثناء بيانات خجولة لا تسمن ولا تغني من جوع، الأمر الذي زاد من شعور المواطنين باليأس من إمكانية التوصل إلى حلول من قبل المجتمع الدولي.
ويزداد هذا الشعور في ظل استهداف مناطق يُفترض أن تتمتع بالحماية الدولية، مثل سوق النعام، أو سوق «ميت»، الواقع في منطقة أبيي المتنازع عليها، والتي تخضع لترتيبات أممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتوجد فيها قوات أمنية دولية.
وفي الهجوم الأخير على سوق النعام، قُتل جندي يتبع للقوات الأممية من الجنسية الباكستانية، وأُصيب جندي آخر، رغم أن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق وقفت على موقع الحادث في السوق، لكنها لم تكشف عن أي نتائج حتى الآن، بحسب المعلومات الواردة، كما لم يرَ السكان أي تحرك ميداني لحمايتهم.
وبين أزيز المسيّرات في السماء، وتصاعد الجوع على الأرض، واستمرار انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية، يجد المواطن السوداني نفسه محاصراً بين نيران الحرب وغياب الأمن وشح الغذاء، في وقت تتواصل فيه الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وتتراجع فيه الآمال في حلول قريبة تنهي معاناته المستمرة.













