منوعات

بين “العواسة” و”النفير”.. كيف يقاوم الآبري السوداني غلاء الأسعار؟

مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تفوح في أزقة المدن والقرى السودانية رائحة نفاذة ومميزة، مزيج من عبق التوابل والذرة المشوية

 

 

 

الخرطوم : امتثال عبدالفضيل 

 

مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تفوح في أزقة المدن والقرى السودانية رائحة نفاذة ومميزة، مزيج من عبق التوابل والذرة المشوية. إنها رائحة “الآبري” أو كما يُعرف شعبياً بـ “الحلو مُر”، المشروب الذي لا تكتمل دونه مائدة إفطار في السودان، والذي تحول عبر العقود من مجرد عصير إلى رمز للهوية الثقافية والتكافل الاجتماعي.

نبض الشارع: ماذا يقول السودانيون عن “سيد المائدة”؟
في جولة ميدانية لاستطلاع آراء المواطنين حول طقوس “الآبري” هذا العام، تباينت الكلمات لكنها اجتمعت على قدسية هذا المشروب. التقينا بنماذج مختلفة تعكس علاقة السودانيين بهذا الإرث:
طقوس “النفير” النسائي
في فناء منزلها الذي تفوح منه رائحة التوابل، تقول الحاجة آمنة (65 عاماً)، وهي تتفقد رقائق الآبري بعناية:
“الآبري ليس مجرد شراب، هو (ريحة رمضان) وروح اللمة. قديماً، كنا نبدأ ‘العواسة’ منذ شهر رجب، تجتمع الجارات والصديقات في ‘نفير’ لا يتوقف، نتبادل الصاجات والحكايات. ورغم غلاء التوابل وتعب الجسد، لا أتخيل بيتاً سودانياً بدون (جوال) الآبري؛ فهو البركة التي تملأ البيت وأماننا النفسي الذي يخبرنا أن رمضان قد حضر.”
. ميزان السوق والتحديات الاقتصادية
داخل دكانه المزدحم في سوق أم درمان، يصف عثمان (عطار) حركة البيع قائلاً:
“في شهر شعبان، يتحول السوق إلى خلية نحل والطلب كله ينصب على مكونات الآبري. الزبائن يبحثون عن أجود أنواع ‘الزريعة’ والقرفة والغرنجال. الحقيقة أن السودانيين قد يتنازلون عن الكثير من الكماليات بسبب الظروف الاقتصادية، لكن الآبري يظل ‘خطاً أحمر’؛ فالجميع يحرص على شراء مكوناته مهما بلغت التكلفة.”
“الحلو مر” في حقائب الغربة
من لندن، تنقل لنا سارة حسن (مغتربة سودانية) مشاعر الشوق المرتبطة بهذا المشروب:
“أهم قطعة في حقيبتي عند العودة من السودان هي الآبري. في الغربة، رائحته عند الإفطار هي التي تشعرنا أننا في الخرطوم وبين أهلنا. نحن هنا نتعامل معه كأنه ‘ذهب’؛ نقتسمه بالجرامات مع الأصدقاء السودانيين، فهو الهوية التي نحملها معنا في أكوابنا لنروي بها حنيناً لا ينتهي للوطن.”
وجهة نظر طبية
بعيداً عن العاطفة، يحلل د.ابراهيم احمد(اختصاصي تغذية) القيمة الغذائية للمشروب:
“من الناحية العلمية، الآبري مشروب عبقري. عملية تزريع الذرة (الإنبات) ترفع قيمتها الغذائية وتجعل سكرياتها سهلة الامتصاص، مما يعوض الصائم فوراً. كما أن مزيج الزنجبيل والقرفة والعرديب يعمل كمطهر طبيعي للمعدة ويمنع التلبك المعوي بعد الإفطار، مما يجعله يتفوق بمراحل على العصائر الاصطناعية.”
ثقافة الأجيال الشابة
أما مؤمن آدم (طالب جامعي)، فيرى في الآبري “ضابط الإيقاع” اليومي:
“بالنسبة لي، لا يوجد مشروب يروي العطش فعلياً سواه. مهما شربت من عصائر باردة، يظل ‘الحلو مر’ هو الذي يضبط الرأس ويعدل المزاج بعد يوم صيام طويل. في بيتنا، تكسير الآبري ونقعه في (الجك) مع الثلج هو طقسي اليومي الخاص ومسؤوليتي التي أعتز بها قبل الأذان.”

انتصار الإرادة على التحديات
في الختام، يثبت “الآبري” يوماً بعد يوم أنه ليس مجرد مشروب يوضع في كؤوس المثلجات، بل هو اختبار سنوي لقوة الروابط الاجتماعية في السودان. فرغم الارتفاع الجنوني في أسعار التوابل وتكاليف “العواسة” التي أرهقت كاهل الأسر، إلا أن “النفير” يظل هو السد المنيع الذي يحمي هذه العادة من الاندثار.
إن إصرار السودانيين على تحضير “الحلو مُر” وسط هذه الظروف المعقدة، هو رسالة صمود صامتة؛ مفادها أن الذاكرة الوجدانية للشعوب لا تكسرها الأرقام، وأن رائحة الآبري التي تفوح من البيوت ستظل هي “صافرة البداية” التي تعلن انتصار التقاليد على قسوة الواقع، ليبقى هذا المشروب الفريد شاهداً على أن “اللمة” السودانية هي القيمة التي لا تُقدر بثمن، ولا تطالها يد الغلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى