محمد مراد بدر منير .. يكتب .. الدولار الجمركي يقفز مجددًا.. وموجة أسعار جديدة تهدد جيوب السودانيين
رفعت السلطات السودانية سعر الدولار الجمركي بنسبة تقارب 29.5%، في واحدة من أقسى زيادات التقييم الجمركي خلال العام الجاري، إذ

رفعت السلطات السودانية سعر الدولار الجمركي بنسبة تقارب 29.5%، في واحدة من أقسى زيادات التقييم الجمركي خلال العام الجاري، إذ ارتفع السعر من 4,346.65 جنيهًا إلى 5,631.76 جنيهًا للدولار الواحد. والقرار يأتي في وقت يعاني فيه السوق السوداني من تراجع حاد في قيمة الجنيه، وارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات، ما يرجّح دخول البلاد في موجة تضخمية جديدة تضرب السلع الأساسية قبل غيرها.
*قرار يضاعف الأعباء*
الدولار الجمركي هو السعر الذي تُحتسب على أساسه الرسوم والضرائب المفروضة على الواردات؛ ولذلك فإن أي زيادة فيه تنعكس مباشرة على تكلفة السلعة قبل وصولها إلى الرف. ومع أن الأثر الكامل لا يظهر عادة في اليوم نفسه، فإن التجار والمستوردين يتوقعون أن تبدأ الأسعار في التحرك خلال أيام، ثم تنتشر تدريجيًا إلى مختلف القطاعات خلال أسابيع.
واللافت أن هذه ليست الزيادة الأولى خلال العام؛ فقد شهد الدولار الجمركي عدة تعديلات متتالية في يوليو وأغسطس وسبتمبر، ما يعني أن القرار الأخير لا يُقرأ منفردًا، بل يتراكم فوق سلسلة من الزيادات التي رفعت كلفة الاستيراد وضغطت القدرة الشرائية للمواطنين.
*الغذاء والدواء في مقدمة المتضررين*
توقع الأسواق أن تكون السلع الغذائية المستوردة من أكثر الفئات تأثرًا، وعلى رأسها السكر والزيت والدقيق والأرز والمكرونة والشعيرية والشاي والحليب المجفف. وهذه السلع تدخل في الاستهلاك اليومي للأسرة السودانية، ما يجعل أي ارتفاع فيها ضربة مباشرة للمواطن محدود الدخل.
والأسعار الحالية تشير أصلًا إلى أزمة شرائية متفاقمة؛ إذ سجّل كيلو السكر نحو 8,000 جنيه، ولتر الزيت نحو 20,000 جنيه، وكيلو الدقيق نحو 7,000 جنيه. ومع ارتفاع كلفة الاستيراد والنقل والتخزين، يُرجّح أن تشهد هذه السلع زيادات إضافية قد تتجاوز نسبة الدولار الجمركي نفسها إذا تراجع المعروض أو لجأ التجار إلى احتكاز المخزون.
أما الأدوية والمستلزمات الطبية فتُعد من أخطر الفئات تأثرًا، لأن معظمها مستورد أو يعتمد على مواد خام ومكونات أجنبية. وقد يظهر الأثر أولًا في نقص بعض الأصناف، خصوصًا أدوية الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري وأمراض القلب، قبل أن يتحول إلى ارتفاع واضح في الأسعار.
*النقل يفتح الباب لارتفاع عام*
لا يقتصر الأثر على السلع المستوردة، بل يمتد إلى السلع المحلية عبر تكاليف النقل والوقود وقطع الغيار. فأي ارتفاع في أسعار المحروقات أو تكاليف النقل ينعكس سريعًا على أسعار الخضروات والفواكه واللحوم والدواجن، حتى لو كانت تُنتج محليًا.
كما يُتوقع أن ترتفع أسعار اللحوم والدواجن بسبب ارتفاع الأعلاف المستوردة، فيما قد تتأثر الخضروات والفواكه بالأسمدة والنقل والتبريد. وبهذا يتحول قرار جمركي واحد إلى ضغط عام على سلة الاستهلاك بأكملها.
*الخدمات لن تبقى بعيدة عن الموجة*
من المتوقع أن تكون خدمات النقل من أسرع الخدمات تأثرًا، خصوصًا إذا ارتفعت تكلفة الوقود أو قطع الغيار. وسيترتب على ذلك ارتفاع أجور النقل الداخلي ونقل البضائع، وهو ما يضاعف الأسعار في الأسواق. كما يُرجّح أن ترتفع أسعار الصيانة والإصلاح، سواء للسيارات أو الهواتف أو الأجهزة الكهربائية، بسبب قطع الغيار المستوردة. أما القطاع الصحي والتعليمي الخاص، فقد يضطران تدريجيًا لرفع رسومهما مع ارتفاع تكاليف المستلزمات والتشغيل. وستتأثر المطاعم والكافيهات أيضًا بارتفاع المواد الغذائية والمشروبات المستوردة ومواد التغليف.
*ثلاثة سيناريوهات محتملة*
١. *السيناريو الأكثر ترجيحًا هو ارتفاع فوري ومتدرج؛* إذ تبدأ السلع المستوردة بالارتفاع خلال أيام، ثم تنتقل الزيادة خلال أسبوعين إلى شهر إلى النقل والخدمات وبعض السلع المحلية.
٢. *أما السيناريو الثاني، وهو ارتفاع حاد مع اختفاء السلع*، فيظل ممكنًا إذا احتجز التجار المخزون أو تراجع المعروض بسبب صعوبة الاستيراد والتمويل. وفي هذه الحالة قد تتضاعف الأسعار في بعض الأصناف، ويضطر المواطن إلى البحث عن بدائل أقل جودة أو تقليل استهلاكه.
٣. *أما السيناريو الثالث، وهو استقرار نسبي مؤقت*، فيبدو أقل ترجيحًا، ولا يتحقق إلا إذا توفرت مخزونات سابقة أو تدخل حكومي فعلي لضبط الأسعار وتوفير السلع الأساسية. أما تراجع الأسعار قصير المدى فيبدو ضعيف الاحتمال، لأنه يتطلب استقرارًا في سعر الصرف وتحسنًا في المعروض أو إعفاءات جمركية واضحة للسلع الأساسية.
*ما الذي يحدد حجم الضرر؟*
يتوقف حجم الأثر على عدة عوامل، أهمها نسبة الاستيراد في كل سلعة؛ فكلما كانت السلعة مستوردة بالكامل كان ارتفاع سعرها أسرع وأقوى. كما أن استمرار صعود الدولار في السوق الموازية، الذي وصل إلى مستويات قياسية، قد يجعل الزيادة الفعلية أكبر من أثر الدولار الجمركي وحده.
ويضاف إلى ذلك أن الرسم الجمركي ليس التكلفة الوحيدة؛ إذ تتراكم فوقه رسوم الموانئ والنقل والتخزين والتمويل والضرائب الأخرى. ولذلك فإن المواطن قد يواجه في نهاية المطاف زيادة سعرية أكبر من النسبة الرسمية المعلنة.
*خلاصة*
التوقع الأرجح هو أن يفتح قرار رفع الدولار الجمركي موجة تضخمية جديدة تبدأ بالسلع المستوردة خلال أيام، ثم تمتد خلال أسابيع إلى الأدوية والنقل والخدمات والسلع المحلية. وقد يكون الأثر الاجتماعي أشد من نسبة الزيادة نفسها، لأنه يأتي فوق تراكم من الأزمات: تراجع الجنيه، ارتفاع أسعار الصرف، ضعف المعروض، وتراجع دخل الأسر.
وبذلك يواجه السوداني العادي احتمالًا حقيقيًا بتراجع قدرته على شراء الغذاء والدواء، ما يجعل من ضبط الأسعار وحماية السلع الأساسية اختبارًا عاجلًا للسياسات الاقتصادية، قبل أن تتحول موجة الأسعار إلى أزمة معيشية أوسع.
محمد مراد بدر منير
الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦م











