داؤود عبد العزيز داؤود .. يكتب .. في الذكرى الثانية والأربعين للحاضر الغائب أبو داؤود ….. أبو داؤود.. حديقة الشجن المقيم !

في سور وداخل سور
في روضة زهور
غِنا وقصور في قصور
جاهل وديع مغرور.
بعد بسم الله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وبعد الترحم على أبو داؤود، وموتاكم، وشهداء الوطن، أسأل الله أن يلطف بالسودان وأهله، وأن يرجع الوطن أقوى، و**(الفينا مشهودًا)** بإذن الله.
في الرابع من أغسطس من كل عام تحضرنا ذكرى رحيل ريحانة الشجن والابتسامة، صاحب الحنجرة المتفردة والإرث الفني الذي ما زلنا ننهل منه، وما زال يضاهي السحاب رغم السنين.
يقول إسماعيل بن القاسم العنزي (أبو العتاهية) في ميميته المشهورة، وهي في تبصرتها تردنا إلى المصير الذي نؤول إليه، لتبقى ذكرانا إذا كان ثمة من يبقيها.
وتبقى ذكراك وإرثك حاضرًا، يا أبا داؤود، ما بقينا على هذه الفانية.
إرثًا فنيًا أصيلًا جمع بين المفردة واللحن والتطريب المشبع بقيادة الغيثارة، الفسيفساء الأقحوانة برعي محمد دفع الله، لهما الرحمة وعلو الجنان.
عشق أبو داؤود ما سطره ولحنه رواد الحقيبة، أجمع عليهم الرحمة: أولاد البنا، سيد عبد العزيز، عبيد عبد الرحمن، عبد الرحمن الريح، أبو صلاح، عتيق، الخليل، سرور، ود الرضي، كرومة، وزنقار، لهم الرحمة جميعًا.
شدا، وأطرب، وأبدع.
نسمع لرائعة عبيد عبد الرحمن:
باهي الدلال موفور
محجور الخدور
ما هو الخليع وسفور.
والله والله، أيها الحاضر الغائب داؤود، من لطف الله بكم جميعًا أن رحلتم، أنت وجل عمالقة ورواد الطرب والكلمة العفيفة، رحلتم مبكرين قبل أن تروا السفور والفجور والخلاعة التي أصابت الفن والمتفننين. مجون وخلاعة ووفاة حياء تصيبك بالغثيان. قُتل الخليل ألف مرة في مقابر الأسافير، وقُتلت الكلمة، واستُشهد اللحن.
كانت إيقاعاتنا: المردوم، والدليب، والتمتم، والجراري، فأصبحت (إيقاع كلبين، وإيقاع طاسو، وإيقاع دي جي ونبجيري!!).
هم السابقون، ونحن اللاحقون، والحمد لله على أمر الله.
يشدو أبو داؤود لعبيد عبد الرحمن:
آية الجمال منصور
أخلاق الرضيع
في هيبة المنصور.
أقول لكم، عمالقة الكلمة والنغم، بعد رحيلكم سقطت الأخلاق في مستنقع يسمى بالقونات والفن المبتذل الهابط التافه، من عاهرات حديقة الثقافة والحيوان.
مغنون لا نعرفهم، أرجال كانوا أم نساء؟
ومغنيات لا نستوعبهن، أمغنيات كن أم داعرات؟
آسف، أخي القارئ، لهذه التعابير، لكن الآلام بحر، والله.
زمن غابر على الوطن والمواطن، قتلونا فيه ولم يحيوا قتلانا.
فلنرحل مع أبو داؤود إلى الأيقونة حسين بازرعة، لهم الرحمة جميعًا، وهو يشدو:
قل لي بربك كيف تنسى الموعدا!
والليل أحلام وشوق غردا
والجدول الهيمان حولنا عربدا
كانت ذراعاك لرأسي مرقدًا
عجبًا، أتنساه وتنسى المشهدا؟
ونسمع في الزمن الغابر: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(أولاد قلبًا لو قمنا هسع بنقلبا؟).
أولى درر الراحل المقيم كانت أحلام الحب، زرعوك في قلبي، لمحمد علي عبد الله، وبرعي محمد دفع الله، لهم الرحمة جميعًا.
ومن ما ميّز الراحل المقيم في مسيرته الفنية القصيرة أنه نقل أغنية الحقيبة إلى الغناء الحديث، مما جعل كثيرًا من عشاق الفن والفنانين الجادين من الأجيال الجديدة يلتفتون إلى روائع الحقيبة، ويعشقونها ويرددونها.
رحل أبو داؤود من هذه الفانية في الرابع من أغسطس 1984. أكرمه المولى بحسن الخلق والمعشر، ولطف الطبع، وعقيدة راسخة قوية، عكسها في تجويده لمحكم التنزيل، وأدائه للمدح والإنشاد النبوي، بجانب الحنجرة المتفردة والطرفة الحاضرة.
عشق السودان وأهله، وبادلوه عشقًا بعشق، (وفي حب يا إخوانا أكتر من كده؟)
رافقه في هذه الرحلة القصيرة الطويلة المغفور لهما، الحاضران الغائبان، برعي محمد دفع الله في صياغة ألحان هذه الدرر الشجية، والبروفيسور علي المك في اختيار زهور هذه الحديقة الغناء.
سُئل المغفور له برعي في إحدى اللقاءات عن سر التفرد في هذه الثنائية، فقال، رحمه الله:
“إن أبو داؤود هو برعي، وإن برعي هو أبو داؤود، ولو كنت مغنيًا لكان عبد العزيز هو ملحني.”
عجبًا لهذا الجمال في الإجابة!
وعجبًا يقول الناس إنك هاجري
سأعيش بعدك راهبًا في مأتمي
وتعيش أبدًا ذكرياتك في فمي
ما دام حبك يا حياتي ملهمي.
غنى أبو داؤود من أشعار وألحان أغلب شعراء وملحني الحقيبة والحديث، للذكر لا للحصر. شدا للخليل، وحسين عثمان منصور، وحسين بازرعة، والزين عباس عمارة، والصادق إلياس، ومحمد علي عبد الله، ومحمد البشير عتيق، وإسماعيل حسن، وسيد عبد العزيز، وكرومة، وسرور، وعبد الرحمن الريح، وعبيد عبد الرحمن، وعوض حسن أحمد، وعبد المنعم عبد الحي، والأمي، وأولاد البنا، وإلياس فرحات، والكابلي، وأحمد التني، والطاهر إبراهيم، وود الرضي، وأبو صلاح، ولأخيه عثمان داؤود، وهم كثر، لهم الرحمة جميعًا.
أجاد الراحل المقيم الغناء بالعامية والفصحى، وطرق جميع ضروب التطريب، فأجاد وأبدع. غنى بالعود وبالأوركسترا، وغنى الحديث والحقيبة، وغنى الغناء الشعبي بالرق والشَّايات، وغنى بالكبريتة وبدون أي إيقاع، وغنى للوطن وللتراث، وغنى للحماسة وللسيرة، وابتهل وأنشد ومدح رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام. وغنى ثنائيات مع الطيب عبد الله، والكابلي، وترباس، وبادي، والكحلاوي، وأبو سريع محمد حسنين، وحسن عطية، والتاج مصطفى، وعثمان حسين.
رتل القرآن، وكان، رحمه الله، كشكولًا فنيًا وأدبيًا، له الرحمة والمغفرة وعلو الجنان.
ألا رحم الله أبا داؤود، وتوأمه برعي، وعلي المك، وكل مبدعي ذلك الزمن الحديقة، من فنانين وأدباء وسياسيين وأكاديميين، وجمعنا بهم جميعًا، مع شهداء الوطن، في عليين، روح وريحان وجنة نعيم.
والله كم افتقدناكم، رحلتم ورحلت عنا البركة.
وها نحن نموت ببطء، رغم (البندول مع الجبلية والدولية).
إنا لله وإنا إليه راجعون.













