الرئيسية / اعمدة / د. عبد الناصر سلم .. يكتب ..ضعف الأحزاب السياسية في السودان إلى متي ؟

د. عبد الناصر سلم .. يكتب ..ضعف الأحزاب السياسية في السودان إلى متي ؟

انقسام وضعف الأحزاب السياسية السودانية يمثل الملمح الأبرز في الساحة السودانية من بين يدي الاستقلال وحتي الآن فمنذ لحظة ما قبل الاستقلال ظهرت المشكلات بين الأحزاب حول طريقة الاستقلال نفسة هل هو استقلال كامل ام اتحاد مع مصر بعيدا عن المستعمر البريطاني دارت هذه المعركة بين قطبي السياسية السودانية حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي واستمرت هذه العلل كسمة مميزة للسياسة السودانية حتي الآن.
منذ أول فجر استقلال للسودان وانعتاقه من الاستعمار وظهور الأحزاب السودانية في الساحة السياسية فقد ارتكبت تلك الأحزاب أخطاءً كثيفة أثرت على جملة التاريخ السوداني الحديث وبدت تلك الأحزاب بعيدة عن الممارسة الديمقراطية الرشيدة التي ظلت ترفعها شعاراتها في وجه أنظمة العسكر بالعودة للوراء نجد أن أول ممارسة سياسية شائنة في أعقاب الاستقلال كانت حينما اتفق زعيمي طائفتي الختمية والأنصار على إسقاط حكومة الأزهري بعد شهور من إعلان استقلال السودان، لكن الجريرة الأكبر كانت عندما أمر رئيس الوزراء “عبد الله بك خليل” بتسليم السلطة لقيادة الجيش في نوفمبر 1958 ليقطع الطريق على إجراء برلماني يسحب عنه الثقة ثم جاء انقلاب العقيد “جعفر النميري” مدعومًا من الحزب الشيوعي السوداني القوميين العرب تعبيرًا عن الغبن السياسي الذي وقع على الحزب الشيوعي حينما أقدمت أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق على عقد تحالف قام بتعديل الدستور وأسقط عضوية نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في العام 1965
وحتي فترات الديمقراطية وسنواتها القليلة كحقبة سياسية لم تتميز بوجود سلوك سياسي ناضج بحسب الكثير من النخب السياسية عموما اللغط كبير دار خلال الفترة الأخيرة حيث شهدت حقبة البشير البائدة تراجع كبير لدور الأحزاب في الحياة السياسية السودانية وشهدت سنيين الإنقاذ تناقضات مختلفة تحالفات بين اجسام حزبية ومنظمات مجتمع مدني وحركات مسلحة هدفها الأول والأخير كان اسقاط النظام الإسلامي وحتي عندما جاءتها الفرصة لهذه الأحزاب في 2013 لم تستطيع استغلال هبة سبتمبر بل على العكس تماما وظفتها حكومة البشير لصالحها فما عرف بخطاب” الوثبة ” والحوار الوطني فيما شهدت الأحزاب الكبيرة الأمة والاتحادي انقسامات مختلفة وصلت الي خمسة او ستة أحزاب لكل حزب تحمل نفس الاسم ولاتزال القوى والأحزاب السياسية تعزي تفككها لحكم الإنقاذ البائد الذي مارس ضدها أسوأ أساليب القمع والترهيب في سبيل التخلي عن برنامج إسقاط النظام فكان الزج بمجموعة من قيادات المعارضة في السجون ما دعا بعضهم في بعض الأحيان إلى الهجرة وتفضيل المنفى الاختياري كما فعل من قبل كل من الراحل سكرتير الحزب الشيوعي محمد إبراهيم نقد وزعيم حزب الأمة القومي وإمام الأنصار الصادق المهدي، فالمراقب لمشهد الأحزاب والقوى السياسية بالبلاد خلال “30” عاما الماضية يجد أنها قد شهدت حالة من تمزق مريع.
الحكومة البائدة تعاملت مع مجمل الأحزاب السياسية صاحبة الثقل الكبير بنظرية فرق تسد وهو ما حدث فعلا من بعدها عندما مضت في عملية استقطاب هذه الأحزاب بصورة تدريجية في إدخالها للحكومة ورسم مسار لها بدعوى المشاركة في إحداث إصلاحات بالدولة وتحقيق هدف الانفتاح على الآخر مستقلة في ذلك مجموعة الخلافات السياسية والمفاهيم التراكمية في إدارة كل حزب ولكن من المؤكد أن حكومة البشير السابقة لم تكون لتستطيع تمرير اجندتها لولا ضعف الأحزاب السياسية وعدم ممارستها للديمقراطية داخل اسوارها مثلا هل يتذكر احد اين ومتي عقد آخر مؤتمر عام للحزب الاتحادي الديمقراطي أو حزب الأمة القومي هذه الأحزاب التقليدية ظلت تحتفظ بقياداتها التاريخية على رأس الحزب وتتحاشي الحديث عن الديمقراطية داخل الحزب وتتهم الآخرين بإجهاض العملية الديمقراطية وهي نفسها تفتقدها “فاقد الشيء لا يعطه ” لا نريد أن نذكر أسماء ولكن يبقي اسم الامام الصادق المهدي ومولانا الميرغني هما الأبرز في الاحتفاظ بالرئاسة في الأحزاب العريقة التي باتت تطبق نظام الحكم الملكي اكثر من الديمقراطي كيف يمكننا ان نتطور في ظل هذا الوضع البائس والمتخلف سياسيا الي يري هؤلاء العالم من حولنا أيضا هنالك نقطة يجب أن نتطرق لها وهي قانون الأحزاب السياسية في السودان قد لا يكون هو السبب الرئيسي لضعف الأحزاب ولكنه من ضمن الأسباب فالحكومة السابقة مررت القانون بالتعدد الحزبي لتنفيذ فكرتها بتفكيك الأحزاب الكبيرة وقيام أحزاب صغيرة تضمن لها الاستمرار في الحكم من ناحية وتدعي هي من ناحية آخري انها اتاحت حرية الممارسة السياسية ولكن هذا الامر في مجملة اضر بالعمل السياسي وانتج أحزاب صغيرة جدا لا يعلم الناس حتي عددها ولأبرامجها ولاحتي قياداتها.
رغم ما زكرنا من حديث لكن البعض يري أن الأحزاب معذورة ولايجب أن نحكم عليها بأحكام قاسية لجهة أن الأحزاب السياسية السودانية تعرضت على مر التاريخ، خصوصاً في ظل الأنظمة الشمولية إلى الظلم الذي وقع عليها فأضعفها وشل قدرتها لكن في المقابل نقول الأحزاب عانت من قصور وضعف ادي للتنازع والانقسام والقطيعة بين الأجيال هذا القصور كان يتم على حساب الوظيفتين الأساسيتين اللتين يفترض أن يؤديهما الحزب السياسي الوظيفة الأولى هي إنتاج قيادات جديدة للحكومة والمجتمع تفلح في ضمان استمرار الدولة وازدهارها، وهذه الوظيفة تعمل لمصلحة الجميع لأن الدولة ملك الجميع أما الوظيفة الثانية فهي إنتاج أفكار ورؤى ومبادرات جديدة في مواجهة المشكلات والأزمات التي تهدد المجتمع والدولة من عافية الاقتصاد والأمن والمشكلات الاجتماعية والسياسية المختلفة.
حاليا هنالك ضرورة لتكريس الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية السودانية وفي نظمها ودساتيرها،وتصحيح اخطاء الماضي إضافة إلى إحداث تطور في أدواتها وبرامجها ومحتواها ورسائلها لتكون مقنعة في تلبية الحد الأدنى من حاجات المواطن، خصوصاً جيل الشباب الذي قام بثورة ديسمبر المجيدة في عالم شديد التعقيد وسريع التغير، ويجب أن تتحمل الأحزاب مسؤولياتها من خلال تعزيز كفاءتها الوظيفية كآلية للمجتمع ورفده بالمبادرات والأفكار المبتكرة وإعداد الكوادر والقيادات الشابة لإحداث تحول وتطور في الحياة بعامة لذلك لا بد للأحزاب السياسية السودانية أن تحدث خلال الفترة المقبلة تطوراً في أدواتها وبرامجها ومحتواها ورسائلها لتكون مقنعة في تلبية الحد الأدنى من حاجات المواطن فمن الأهمية بمكان أن تقوم الأحزاب كافة بتغيير خطابها التقليدي، فمعظم هذا الجيل لديه طموح عالٍ ويريد أن تكون الأحزاب التي تعبّر عنه وتقوده في المرحلة المقبلة جادة في استيعاب مشكلاته وكيفية معالجتها، وأن تكون مسؤولة وذات محتوى برامجي يلبي حاجاتهم ويعمل على حل المشكلات التي تعاني منها البلاد ويساهم في قيام انتخابات حرة ونزيهة عقب نهاية الفترة الانتقالية.

د. عبد الناصر سلم /مدير المركز الأفريقي لحقوق الأنسان والخبير في فض النزاعات

عن abdoelbagi

شاهد أيضاً

ﻋﻤﺎﺩ أﺑﻮﺷﺎﻣﺔ .. يكتب .. ﺍﻟﻄﻴﺐ ﻭﺍﻟﺼﺎﻟﺢ !

ﻭﻫﻮ ﺩﺍﺧﻞ ﻋﻠﻰ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﺪﺑﺔ ﺫﺍﺕ ﺻﺒﺎﺡ ﻗﺮﻳﺐ ﺳﻤﻊ ﺑﺨﺒﺮ ﺍﺑﻦ ﺑﻨﺖ ﻋﻤﻪ ﻭﺍﻧﻪ ﻣﺮﻳﺾ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *